فهرس الكتاب
عصّبوا عينيه قبل أن يشير مندوب الأمير بيده إلى السيّاف، ظلّ"اليامي"متماسكًا، لكنه، حين رفع المارد سيفه، انكمش كعصفور،"كأنما هبت موجة عاتية لاقتلاعه"/ص7/.
"التمع النصل، إذ لامس أشعة الشمس.. هوى السيف، فاختلط الحابل بالنابل، والأسمر بالأحمر.. شخب الدم.. لكن لم يتدحرج الرأس،.. لقد أصاب السيفُ أعلى الكتف.. وبدا"اليامي"مثل ديك ذبحوا منه الوريد، فهاجت حلاوة روحه، وانطلق يبحث عن عراء.." /ص11/ لكن السياف المارد، أجهز عليه بضربة كالصاعقة، فصَلَتْ الرأس عن الجسد؛ فاختلطت كل الألوان، والأحاسيس، وتدفقت الدماء، لتوشح ساحة الإعدام، كشاهدٍ على القهر، حدّ القتل، بمعناه التاريخي والراهن.
هذا المشهد الدموي، هذه الوحشية في الإبادة الجسدية، ولَّدت لدى"أبو شنان"، رفيق اليامي، حالة من اليأس، والشعور بالهزيمة والوحدة، مما دفعه للبحث عن مباهج الحياة، هربًا من قهره وانكساره، فوجد ذلك في معسكر الأعداء، الذي لجأ إليه زمنًا.
غير أن روح المناضل القديم فيه؛ عجزت عن استيعاب الخيانة والبلادة؛ فكل المباهج سراب وسأم.
ومثلما دفعه اليأس نحو الهزيمة والانكسار؛.. دفعه الشعور بالأمل نحو طريق العودة إلى رفاقه.. حيث تشتعل الحرب ضد جيوش"الإمام"في اليمن:"فمتى من شدة الألم والقهر، تنبجس الأرض، وتزلزل زلزالها"/ص79/.
عبر هذه اللوحة المشهدية، في تشكيلها الواقعي، بمعنى آليات الحكم والقوانين والقيم والطقوس، تنهض رايات الدولة الأمنية، تتخذ أشكالًا متعددة لصور الطغيان، وتنضوي تحت عباءتها الواسعة كل رموزه التي تشكل أحد طرفي الصراع الاجتماعي والسياسي؛ عبر الصيغة الثنائية لعالم"نجران تحت الصفر".
هذه الصيغة التي تنهض بالخط الدرامي المأساوي في جسد الرواية، تأخذ شكلًا تناقضيًا عبر صراع خجول؛ فعالم نجران ينقسم إلى عالمين لا ثالث لهما.. وتصير الطريق طريقين: طريق للحياة وطريق للموت.