فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 169

هكذا تبدو نجران، تحت الصفر حقًا؛ تحت خط الفقر والوعي والحرية. ذروة للقهر والاستبداد، تلك التي تمارسه سلطة الأمير والقبيلة والمشايخ، والنفط، وتجار الرقيق..، سلطة استطاعت أن تتعلم طقوس القمع الدموي البارد: /قطع رأس اليامي- قطع يد بن أمينة- ختان النساء- خصاء الفتيان-..الخ.

وقد اكتسبتْ آلة القمع هذه، في كثير من الأحيان، شكلًا ميتافيزيقيًا: قدريًا -علويًا-، حتى تظل قادرة على كل شيء: لها قوة إله في ابتداع الخرافة، والقوانين والفتاوى التي تتحكم بحياة الناس وتقيم علاقات غامضة، مريبة، مغلّفةً بأوهام الميتافيزيق.

غير أن العلاقة المتذبذبة، التي تتسم بعنف مكتوم، غير مرئي، بين القمة والقاع، بين حواري العبيد، الذين لم يُعتقوا، وقصور الأمراء وأدواتهم القمعية..، لا تتجلى ممارساتها الوحشية إلاّ للذين يمتلكون حالة من الوعي بآلية القهر وخرافة السلطة، ووهم الشكل الميتافيزيقي لإرادتها.

هذا الوعي، في عالم"نجران"يبرز عند"أبو شنان"، الذي كاد أن يطفئ الشموع كلها في حارة العبيد، يعود ليضيء هو نفسه، من جديد، شمعة صغيرة، تضيء أفق العالم المرجوّ، ويجدد صرخة"اليامي"، قبل أن يهوي النصل على الرقبة:

يجب أن نناضل من أجل العبيد والفقراء"/ص26/."

إن الصراع في"نجران"رغم ركام الأصفار المكدسة على الخريطة، هو الذي أفرز ذلك الحالِم الثوري المتمرّد:"اليامي"الجمهوري، ومشعان النقابي- الذي تحول إلى فكرة نقية، وحافز للنضال بعد انتصار الجمهوريين- وسميّة بائعة الفجل التي أُعتقت من السّديري، وتحولت إلى رمزٍ يجمع كل المناضلين، ويستشرف أفقًا جديدًا لنجران.. الوطن. نجران الحرية:"إنهم يقصفون تحشّدات الإمام، إنهم يفتحون لنا الطريق"/ص80/.

ومن قلب العتمة يسمع"أبو شنان"صوت"مشعان"هاتفًا:

-"تبدأ الآن رحلة جديدة"/ص112/.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت