فهرس الكتاب
تبدأ الرواية في نسيج بنائها الفني، منذ الصفحات الأولى، بالكشف عن إحدى تجليات القمع، رغم بهاء الحياة المتفجرة فرحًا في عبارتها الأولى:"كان صباحًا مضيئًا"/ص9/، تخفق في سمائه النوارس مغتبطة تحت شمس خريفية، يعبّر عنها مرح عاشقين جذلين فوق العشب المُندَّى، يركضان باتجاه الشاطئ الصخري، وفجأةً تنكسر الغبطة كآنية من زجاج:"يحس الرجل بأنه مطارد، وبأن شخصًا يتعقبه"/ص 10/ ويتحسس الرجل -وهو في غمرة الفرح والعاطفة المتدفقة بالحب- يتحسس المدية في جيبه الخلفي.
غير أن ذلك لم يكن مجرّد إحساس بالمطاردة، والحصار، بل كان حقيقة فعلية.. عندما اقترب رجلان -أحدهما كالشمبانزي- وأخذا يطرحان الأسئلة على الفتاة، يحاسبانها كمحكمة ميدانية لأنها تماشي وتصاحب رجلًا غريبًا!. ليتبين لنا فيما بعد، أن هذا الرجل -الغريب- هو عراقي يدعى"مهدي جواد"، والفتاة العربية جزائرية تدعى"آسيا"، فيقفز السؤال الذي تبني الروايةُ عليه أحدَ مساراتها الفنية والفكرية: كيف يُعدّ العربي العراقي غريبًا فوق الأرض العربية الجزائرية..؟.
صحيحٌ أن المواجهة الكلامية بين هذين الرجلين لم تتصاعد إلى المواجهة الجسدية، لكنها كانت كافية لكي تنتقل بنا إلى عالم الرواية، وعناصرها الفكرية -الجوهرية- التي تتدفق مع تداعي الذكريات، والترجيع التاريخي؛ عبر لعبة فنية أقرب إلى المشهد السينمائي الإيحائي -بتفوّق- في استحضار الماضي، الزاخر بالأحداث لكل من"مهدي جواد"-و"مهيار الباهلي"و"آسيا الخضر"و"فلّة بو عناب"/47/.