فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 169

إن مهدي جواد -العراقي- لا يجد نفسه في أرض الجزائر غريبًا فحسب؛ إنما كان كذلك فوق أرض العراق، بلده، وإنْ اختلفت طبيعة الغربتين؛ ففي الجزائر تحاصره غربة، تكاد تكون عنصرية، عرقية؛ تقول"آسيا الخضر"لمهدي جواد، موضحةً الموقف:"إنهم يخشون كل قادمٍ من وراء الحدود. لقد جَرَح المستعمر الروح والجسد.. جرعنا آلامًا حادة أنتم لم تذوقوا مرارتها.. لا يوجد بيت في الجزائر بلا جرح"/ص14/.

أما في العراق فقد كانت غربة مهدي جواد غربة سياسية، أساسها القمع الأيديولوجي، ذو الرؤية الأحادية، التي تلغي الآخر، حيث:"الله- الأسرة-العشيرة-الطائفة-الملك: أنا الله على الأرض. أنا الشعب. ويوم ذاك ستصدر الأوامر في كل أرجاء البلاد: -من دخل بيت الجنرال أبَ الشعب جميعه فهو آمن، ومن دخل بيته الخاص وانزوى فهو آمن. أما من دخل بيت الحزب فالوطن في حلٍّ من دمه المهدور."

ومن يومها ابتدأ شهيق وزفير الدم الذي سيستمر إلى يوم الدينونة/ص25/.

فإذا كانت آلية القمع قد تجلت في حصار الغربة الأول، على أرض جزائرية من قبل رجلين -خنزيري شوارع- كما تقول له آسيا- فإنها سرعان ما تصبح هذه الآلية- مع نموّ البناء الدرامي، وتجلّي عالمها القمعي- حصارًا شاملًا، تمارسه قوى اجتماعية ظلامية، وسياسية أمنية، موغلة في العدمية.

وإذا كان مهدي جواد قد استطاع النجاة من تلك الآلية، في الحصار العراقي- متوهمًا أنه بالتجائه إلى الجزائر قد يتحرّر من ذلك فإنه هنا، في الجزائر، لا يجد نافذة للخروج من دائرة الحصار الشامل، إلاّ بالانتحار:".. يخطو نحو البحر، على الرمل يتعرّى، ثم يصعد صخرة، يتنفس بعمق، الهواءَ الرطب، وباندفاعة طائرٍ، يقذفُ جسده إلى البحر"/ص378/. ليتحول، في قاع المياه المالحة وليمةً لحيوانات البحر وأعشابهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت