فهرس الكتاب
غير أن"فلّه بو عناب"تعلن أن لديها مواهب أخرى، غير موهبة فتح ساقيها، لكنهم -تقول:"هم قتلوا كل مواهبي الأخرى، وركزوا على موهبة التأوه والصراع الجنسي، أليس هذا هو الاستعمار الحقيقي؟"/ص111/- ثم تستطرد:"أصلًا ما الذي فعله الكولونيل الفرنسي إلاّ هذا.."
كانت تتحدث بمرارة عن الوطن المضيّع، كتعبير دلالي عن ذلك التواصل القمعي بين سلطة المستعمر، والسلطة الجديدة التي أجهضت الثورة.
وفي الضفة الأخرى الموازية لفلّة بو عناب، تبرز ملامح"مهدي جواد"العراقي، رمزًا ساطعًا في عالم الرواية، للثورة العراقية /الكمونة/ التي أجهضتها آلية القمع لدى السلطة والحزب معًا.
لقد شارك مهدي جواد، بكل عنفوانه، في التمرد الشيوعي العسكري على آلية القمع المزدوجة، لكنه انكسر بانكسار ذلك التمرّد واندحاره"أما أنا فرجل مكسور، حَطَّمتْ سفينتَهُ عاصفةُ، فَتَاةَفي البحر"/ص185/. فتحولت هذه الشخصية الروائية المندحرة إلى نموذج للمثقف العربي اليساري، الذي بلغ الذروة في هزيمته وانكساره."أنا رجل وحيد ومعزول عن الآخرين، وأبحث عن جدار، لا أحد. لا أحد في هذه الصحراء الملعونة والقاسية"/ص190/.
وفي غمرة من الأحزان القديمة، والعزلة، ووطأة الكوابيس والإحساس بالجنون، يدور حوار بينه وبين آسيا الخضر /ص355/ -يؤكد فيه انكساره وهزيمته، قائلًا:"أنا جبان ومهزوم وساقط.. وأنتِ امرأة جميلة وعظيمة وأنا لا أستحقّكِ"/ص355/.
هكذا تتحول رؤية مهدي جواد، من حلم الانتصار عبر البؤرة الثورية في الأهوار، إلى رؤية سوداوية عدمية، يستحيل عبرها التواصلُ مع الحياة:"لماذا الأشياء الجميلة ترحل ولا يكون سوى هذا القبح"/ص356/.