فهرس الكتاب
هكذا تُقِّدم لنا الرواية نشيدها الجنائزي، عبر تجسيدات إنسانية مفعمة بالألم والدهشة والتأمل، سواء كانت هذه التجسيدات أحداثًا أو شخوصًا، إنها تلخّصُ حالة الحصار والقمع والمطاردة. واللاعقلانية السياسية، التي أفرزَت بدورها حالة العطب والقهر الوحشي، حالة استلاب لِمَا هو إيجابي وثوري في العالم العربي، وكأن حالة القمع والحصار والتشوّه هذه، تكاد تكون قدرًا طاغيًا متسلطًا، يكمن في قلب الأشياء، وخلايا الجسد والعقل العربي معًا، وينمو بشكل وحشي في طبيعة السلطة السياسية / الثورية المزعومة، والتراثية، والعقائدية السائدة.. المهيمنة.
ويبدو ـ في عالم الرواية ـ أن لا أحد يملك مقاومة هذه الآلية والتغلب عليها، رغم كل الجهود والتضحيات (49) ـ التي باءت بالفشل ثم الموت.. ليكتمل النشيد في القاع وليمةً للأعشاب.. والطحالب.. وأسماك القرش..
الياس خوري:
... ... ... الوجوه البيضاء [1]
تفتتح الرواية نصها بمقطع تراثي يؤسّس لعالمها، معلنًا تشكيلته، عبر آلية قمع شمولية، تجتاح الزمان والمكان معًا، تأخذ شكل حروب سياسية.. طائفية.. قبلية..، مرئية وخفية، تتجلّى ـ في عالم الرواية ـ بالقتل والاغتيال والتدمير والانتحار، لتبلغ ذروتها في حرب أهلية شاملة، اختلط فيها النزاع الداخلي بالخارجي؛ والسياسي بالطائفي، وأيديولجيا الأحزاب بطقوس قوانين القبائل.. الخ.
هذا التأسيس، الذي تقدمه الرواية كمفتاح للدخول إلى عالمها، ما هو إلاّ إشارة تواصلٍ تاريخي لآلية القمع المعاصرة مع الماضي بكل تجلياتها التي يؤكدها المقطع الافتتاحي (50) .
(1) اعتمدت هذه الدارسة على الطبعة الثانية ـ مؤسسة الأبحاث العربية ـ بيروت