ولا يكون الداعية ربانيًا حتى يصلح ما بينه وبين الله، ويستشعر معاني ما يقول، قبل نشرها على الناس وهذه من أميز صفات الحكمة والفقه التي يحملها الربانيون، وقد صح عن ابن عباس رضى الله عنه انه قال (ربانيين) أي (حكماء فقهاء) .
لذا على كل خطيب وهو داعية إلى الله، أن يعي الأمانة المتينة التي أُنيط بها، وأن يستذكر مراقبة الله تعالى، وحق الناس عليه في أن يعلمهم، ويصلح نفوسهم بما يؤديه من مشاركة في هذا الباب الدعوي، المتضمن الجمع والتحضير والإعداد، لعل الله أن يبارك له، وينفع بكلماته جماهير الحاضرين ...
قال تعالى (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ المُؤْمِنِينَ) (الذاريات: 55)
وقال صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري (بلغوا عني ولو آية) .
وما أجمل وعي الخطيب بهذه الآية، وتحسسه لمرماها ومغزاها، وعيشه لدلالاتها وفوائدها، لا ارتياب، سيعظم أثرها، وستكون خيرًا وأحسن تأويلا ..
إن منبر الجمعة وتعترضه مشكلات كثيرة، لعل منها هذه المشكلة، وتلكم الظاهرة، التي نناقشها هنا، ونحاول عرضها على جماهير الخطباء ليتلافوها، ويصلحوا ماهم فيه، لأن الله يحب إذا عمل أحدنا عملًا أن يتقنه، كما صح بذلك الحديث.
وفي القرآن يقول تعالى (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ) (البقرة:63) .
ويقول تعالى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا) (الأنفال: 2)
وقال عز وجل (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) . (الزمر: 23)
هذه صفات لابد أن يتعلمها الخطيب، وأن يجاهد نفسه في تحصيلها ليكون كلامه بليغًا بالغًا مؤثرًا. (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ) (العنكبوت: 69)