الجواب الثاني: أن قولكم:"إنه لم يتركه إلا لكونه منسوخًا"هذا غير صحيح ، لأنه يجوز أن يتركه سهوًا ، أو غلطًا ، أو نسيانًا ، أو تركه لحديث آخر لم يصل إلينا ، كما يجوز أن يتأول فيه بتأويل غير صحيح ، ويجوز أنه تركه لأنه رأى غيره أوْلى منه مما لو بلغنا لم نقدمه عليه .
وإذا تطرقت هذه الاحتمالات ، فلا يصح لكم أن تحصروا تركه له لكونه منسوخًا ، فالنسخ جائز كما أن غيره جائز .
فإذا تطرقت هذه الاحتمالات إلى ذلك ، فلا يجوز - بأي حال من الأحوال - ترك ما لم يتطرق إليه أي احتمال ، وهو: حديث رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثابت ، فيكون هو المعتمد ، وغيره من مخالفة الصحابي لا يلتفت إليه (1)
(انظر: إحكام الفصول( ص 346 ) ، شرح اللمع ( 2/ 656 ) ، العدة ( 2/ 592 ) التمهيد لأبي الخطاب ( 3/ 194 ) . )
الجواب الثالث: لو كان الصحابي قد عرف ناسخ هذا الحديث لذكره ولو مرة في العمر ؛ لأنه لا يظن به كتمان العلم .
الاعتراض على هذا الجواب:
اعترض السمرقندي في"بذل النظر" (2)
(( ص 402 ) . )
على هذا الجواب باعتراض مفاده: أن مذهب الصحابي مع روايته يجري مجرى النقل ، لذلك جاز الاكتفاء به من غير صريح النقل .
الجواب عن هذا الاعتراض:
قلت: هذا الاعتراض ضعيف ، وذلك لأنه يحتمل أن الصحابي وهم من قصد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما لا أصل له ، فظن أنه علم ولم يعلم ، فيكون قد ظن ما ليس ناسخًا ناسخًا ، فيكون قد أسقط الحديث واستند إلى شيء لا يصلح عندنا للإسقاط (3)
(انظر: الإحكام للآمدي( 2/ 116 ) ، تيسير التحرير ( 3/ 73 ) . )
الاعتراض على هذا الجواب:
لقد اعترض الكمال بن الهمام في"التحرير" (4)
(( ص 329 ) . )
بقوله:"إن احتمال ما ليس ناسخًا لا يخفى بعده فوجب نفيه"وبينه أمير بادشاه في"تيسير التحرير" (5)
بقوله:"فوجب"
(1) انظر: إحكام الفصول ( ص 346 ) ، شرح اللمع ( 2/656 ) ، العدة ( 2/592 ) التمهيد لأبي الخطاب ( 3/194 ) .
(2) ( ص 402 ) .
(3) انظر: الإحكام للآمدي ( 2/116 ) ، تيسير التحرير ( 3/73 ) .
(4) ( ص 329 ) .