المبحث السابع: في بيان سبب خفاء الحديث على الصحابي .
لقد تكلمنا في المبحث الرابع عن مخالفة الصحابي مخالفة كلية للحديث مع وجود الشك في بلوغه إليه ، وتكلمنا في المبحث الخامس عن مخالفة الصحابي للحديث مع أنه يغلب على الظن عدم بلوغه إليه ، وتكلمنا - أيضًا - في المبحث السادس عن مخالفة الصحابي للحديث مع القطع بعدم بلوغه إليه .
بعد ذلك قد يقول قائل: ما سبب خفاء بعض الأحاديث على بعض الصحابة ؟ أقول - في الجواب عن ذلك - وبالله التوفيق .
إنه يستحيل أن يحيط أحد بحديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقد كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحدِّث ، أو يفعل ، أو يقضي في مجلس معين ، فيسمعه ، أو يراه من يكون حاضرا في ذلك المجلس ، ويبلغه هؤلاء إلى ما شاء اللَّه من الصحابة - رضوان اللَّه عليهم .
ثم في مجلس آخر قد يحدث ، أو يقضي ، أو يفتي ، أو يفعل أي شيء ، أو يقضي بأي شيء ، ويشهده من كان غائبًا عن ذلك المجلس ، ويبلغونه لمن أمكنهم .
وبسبب ذلك يكون عند هؤلاء من الأحاديث والعلم بسنة رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما لم يكن عند هؤلاء ، فلا يمكن أن يدَّعي أحد ، أن واحدًا من الصحابة قد أحاط بجميع الأحاديث التي صدرت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فالخلفاء الراشدون الذين هم أكثر الصحابة ملازمة للنبي ، وأعلم الأمة بأمور رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأحواله ، بل إن أبا بكر الصديق رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كان لا يفارق الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا سفرًا ولا حضرًا ، وكذا عمر بن الخطاب ، ثم إنه - مع ذلك - يخفى عليهما بعض الأحاديث التي يصدرها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فكيف بغيرهما من الصحابة الذين يفارقونه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كثيرًا ! .
من هنا اتضح لك سبب خفاء بعض الأحاديث عن بعض الصحابة والله أعلم (1)
(راجع رفع الملام( ص 5 ) . )
(1) راجع رفع الملام ( ص 5 ) .