المبحث الثالث: في الترجيح:
لقد بينا فيما سبق خلاف العلماء فيما إذا خالف الصحابي عموم الحديث ، وذكرنا في ذلك مذهبين: -
المذهب الأول: أن الحديث لا يتأثر بتلك المخالفة ، ويبقى على عمومه ، دون النظر إلى تخصيص الصحابي .
المذهب الثاني: أن الحديث يتأثر بتلك المخالفة ، ويخص بفعل الصحابي ، وذكرت أصحاب كل مذهب وأدلة كل طائفة على ما ذهبوا إليه ، ومناقشة ما يمكن مناقشته منها ، بعد ذلك اتضح أن الراجح هو المذهب الأول - وهو أن الحديث يبقى على عمومه ، ويحتج به ، ويعمل بذلك ولا يخصص بفعل الصحابي - لأمور من أهمها: -
الأول: قوة أدلة هذا المذهب ، وضعف ما وجه إليها من اعتراضات .
الثاني: ضعف أدلة أصحاب المذهب الثاني ، وقوة الأجوبة والمناقشات والاعتراضات التي وجهت إليها .
الثالث: أنك لو لاحظت أدلة أصحاب المذهب الثاني ودققت النظر فيها لوجدتها - كلها - تدور حول احتمالات لا دليل معتمد على واحد منها ، بينما كلام الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثابت صحيح لا احتمال فيه ، فكيف لعاقل أن يترك ذلك من أجل شيء يعتريه كثير من الاحتمالات ؟ !
الرابع: وهو يؤيد الثالث - أن العموم هو ظاهر الحديث ، فيجب أن يعمل به ؛ لأنه لا يوجد ما يعارضه ، فوجب الجري على ما يوجبه ، وفعل الصحابي ، أو قوله ، أو فتواه لا يصلح أن يكون معارضًا له ؛ لأن فعله لم يكن مستندًا إلى قاطع دال على أن المراد من ذلك العام هو الخاص ، كما أنه لم يكن مستندًا إلى مجرد التشهي ومجرد اتباع الهوى ؛ لظهور عدالته ؛ لأنه لو كان كذلك لبينه وأشهره ؛ إزالة للتهمة عن نفسه ، والشبهة عن غيره ، ولو كان كذلك لظهر ؛ لأنه مما تتوافر فيه الدواعي على نقله ، وحيث لم يظهر