ومنها: فهم الصحابة الكرام والعلماء للرخص والعزائم من الألفاظ الشرعية، فلما قال - صلى الله عليه وسلم: (الفطر أقوى لكم) ، علموا أنها على سبيل التخيير، ولما أمرهم (فأفطروا) علموا أنها الإلزام الواجب. ومنها: أن من صام حيث نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد عصى حيث الجهاد والسفر، وأنهم مصبحون بعدو فليستعدوا.
ومنها: أن المسافر إذا نوى الصيام، ثم بدا له أن يفطر فله أن يفطر في أي وقت من يومه، أخذًا بالرخصة واقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم -.
التفضيل بين الصوم والفطر في السفر حاصل كلام أهل العلم التخيير بين الصوم والفطر في السفر فرضًا ونفلًا، وإنما تكون العوارض المصاحبة هي التي تفيد ترجيحًا، فإن شق الصوم أو كان معرضًا عن الرخصة أو احتاج لخدمة غيره أو اشتهر بعمله فخاف الرياء أو كان في جهاد أو اقتدى به الضعيف الذي لا يطيق كان الفطر في حقه أفضل.
أما إن كان الصوم عليه يسيرًا، ويشق عليه القضاء بعد، كان الصوم في حقه أفضل لقول الله - عز وجل: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة: 185] ، ولما رواه أبو داود عن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال: يا رسول الله إني صاحب ظهر أعالجه أسافر عليه وأكريه، وأنه ربما صادفني هذا الشهر - يعني: رمضان - وأنا أجد القوة وأجدني أن أصوم أهون عليَّ من أن أؤخر فيكون دينًا عليَّ.
فقال: (أي ذلك شئت يا حمزة) ، والحديث وإن ضعفه الألباني إلا أنه يستأنس به، لأن الدليل هو الآية الكريمة: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة: 185] ، والله أعلم.