فمعناه مصفى الألفاظ ، ومنقحها ، كخلوص الجوهر من معدنه ، وذلك بأن تكون فصيحة ، فالفصاحة في المفرد خلوصه من تنافر الحروف ، والغرابة ، ومخالفة القياس اللغوي ، فالتنافر وصف في الكلمة يوجب نقلها على اللسان ، وعسر النطق ، فمنه ما تناهى نحو الهفخع بالخاء في قول أعرابي سُئل عن ناقته فقال [1] : تركتها ترعى الهعخع ، ومنه ما دون ذلك ، نحو: مستشزرات ، والغرابة كون الكلمة وحشية غير ظاهرة المعنى ، ولا مأنوسة الاستعمال ، فمنه ما يحتاج في معرفته إلى أنْ يُبحث عنه في كتب اللغة المبسوطة كتكأكأتم ، وافرنقعوا في قول عيسى بن عمر النحوي حين سقط عن الحمار ، عنى أي اجتمعتم تنحَّوْا عني ، وذكر الزمخشري عن الجاحظ: مرّ أبو علقمة ببعض طرق البصرة فأغمي عليه ، فوثب عليه قوم يعصرون إبهامه ، ويؤذِّنون في أذنه ، فأفلت من أيديهم ، وقال: مالكم تكأكأتم عليَّ كما تكأكؤون على ذي جنّة افرنْقِعوا عني ، فقال بعضهم دعوه فإن شيطانه يتكلم بالهندسة ، ومنه ما يحتاج أن يخرج له وجه بعيد ، كقول العجاج:
والغرابة أن تكون الكلمة وحشية لا يظهر معناها فيحتاج في معرفتها إلى من ينقر عنها في
كتب اللغة المبسوطة كما روى عيسى بن عمر النحوي أنه سقط عن حمار فاجتمع عليه
الناس فقال: ما لكم تكأكأتم علي تكأكؤكم على ذي جنة افرنقعوا عني. أي اجتمعتم
تنحوا، ويخرج لها وجه بعيد كما في قول الحجاج [2] :
ومَرْسِنًا مُسَرَّجًا
والمخالفة نحو: الأجلل .
والفصاحة في الكلام خلوصه من ضعف التأليف ، وتنافر الكلمات ، والتعقيد مع فصاحتها ، فالضعف نحو: ضرب غلامه زيدًا ، والتنافر ثقل الكلمات على اللسان ، فمنه ما هو مُتناهٍ في الثقل ، نحو:
(1) كتبت نبت ، وربما يعني أن الهعخع نبت .
(2) من الرجز ، ديوانه، ص 361 ، والبيت بتمامه: وفاحِمًا ومرسنًا مسرجًا