فهرس الكتاب
وقد مثَّل ابن رجب لهذا بالإمام أحمد ـ رحمهما الله ـ؛ فقد بيَّن وجه استحقاقه لمنصب الفتوى في الحوادث ـ أي النوازل ـ بأن وَصَفه ببلوغ النهاية في معرفته بالقرآن والسنة والآثار، فمِنَ القرآن: ناسخه ومنسوخه، ومُقدَّمه ومُؤَخَّره، وجَمْعه في تفسيره مِن أقوال الصحابة والتابِعين الشيءَ الكبير. ومِنَ السنة: حِفْظُه لها، ومعرفته بصحيحها من سقيمها، ومعرفته بالثقات من المجروحين، وبطُرق الحديث وعلله، ليس في المرفوع منه فحسب، بل وفي الموقوف منه! وبفقهه. وبعلوم الأئمة: ذَكر أنه عُرِض عليه عامّة أقوالهم ... إلى أن قال:"ومعلوم أنَّ مَن فَهِمَ عِلْم هذه العلوم كلّها وبرع فيها، فأسهلُ شيء عنده معرفةُ الحوادث والجواب عنها، على قياس تلك الأصول المضبوطة والمآخذ المعروفة، ومِنْ هنا قال عنه أبو ثور: كان أحمد إذا سئل عن مسألةٍ كأنَّ عِلْمَ الدنيا لَوْحٌ بين عينيه، أو كما قال" [1] .
قلت: فأيُّ هؤلاء الذين ابتدعوا اليوم ( فقه الواقع ) ـ لِيُسقِطوا به العلماء ـ تَرَوْنه قد بلغ في العلوم هذه الغاية، حتى جعلتموه في نوازل السياسة لكم آية؟!
لقد كان أحمد ـ رحمه الله ـ يُفتي في الحوادث وينهى تلامذته عن ذلك؛ قال ابن رجب:"وأمّا عِلْمُ الإسلام ـ يعني الحلال والحرام كما فسَّره هو في كتابه المذكور ص (46) ـ فكان يُجيب فيه عن الحوادث الواقعة ممّا لم يَسبق فيها كلامٌ؛ للحاجة إلى ذلك، مع نَهْيه لأصحابه أن يتكلَّموا في مسائل ليس لهم فيها إمام" [2] .
(1) من كتابه المطبوع باسم (( الرّدّ على مِن اتبع غير المذاهب ... ) )ص (39ـ44) .
(2) المصدر السابق )) ص (48) ، وانظر (( مناقب الإمام أحمد ) )لابن الجوزي ص (231) و (( صفة الفتوى ) )لابن حمدان الحراني ص (30) .