فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 385

ومِن كلام ابن القيّم السابق تَعلم أن رجوع الشباب اليوم في النوازل السياسية إلى الحركيين والمتكوِّنين على موائد المجلات ووسائل الإعلام والمتخرِّجين من خلايا المخيَّمات ـ مهما زعموا أنهم متحرِّرون من قيود غابر المذاهب أو متضلِّعون بأسرار ما يعاصرون من المذاهب ـ مصادمٌ لهذه النصوص التي أوردتُها عن هؤلاء الأعلام، وأن المعمَّمين من مقلِّدة المذاهب غير داخلين في قول ابن القيّم: ( الذين يسوغ استفتاؤهم ويتأدَّى بهم فرض الاجتهاد ...) مهما ( تَدَكْتَرُوا ) ؛ لأنَّ المقلِّد غير المجتهد، بل المقلّد هو الجاهل! كما هو معلوم من كتب أصول الفقه؛ قال الخطيب البغدادي:"... حتى يجد طريقًا إلى العلم بأحكام النوازل وتمييز الحقّ من الباطل، فهذا ما لا مندوحة للمفتي عنه، ولا يجوز له الإخلال بشيء منه" [1] .

ولهذا كان مِنَ الأهمية بمكان أن يُمَيِّز طالبُ العلم أهلَ الفتوى في هذا الميدان مِن غيرهم ممّن تسوّروا المحراب، أو دخلوه من غير هذا الباب؛ فقد كان سلفُنا الصالح على دراية تامَّة بذلك؛ قال أبو حاتم الرازي ـ رحمه الله ـ:

"مذهبنا واختيارنا اتِّباعُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه والتَّابعين ومَن بعدهم بإحسانٍ ... ولزوم الكتاب والسنة والذَّبّ عن الأئمّة المتَّبِعة لآثار السلف، واختيار ما اختاره أهلُ السنة من الأئمة في الأمصار، مثل مالك بن أنس في المدينة، والأوزاعي بالشّام، والليث بن سعد بمصر، وسفيان الثوري وحمّاد بن زيد بالعراق، مِنَ الحوادث ممَّا لا يوجد فيه رواية عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - والصحابة والتَّابعين، وتَرْك رأي المُلَبِّسين المُمَوِّهين المزخرفين الممخرِقين الكذَّابين!" [2] .

إذًا فقد بان لذي بصيرة الطّالب للحقّ مَن يسوغ استفتاؤه في هذا.

(1) الفقيه والمتفقه )) (2/330) .

(2) ذكره عنه اللالكائي في (( شرح أصول الاعتقاد ) ) (323) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت