فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 385

قلت: فيُفهَم من هذه الرواية أن معاوية قال كلمةَ تواضعٍ في وقت اشتداد الفتن ـ أيام صفين كما نبَّه عليه الحافظ ـ الأمر الذي يتنافى مع سياسة الأمة بالحزم سدًّا لأبواب الشر، ولذلك لما نبَّهه عمرو بن العاص - رضي الله عنه - غيَّر اللهجة، وهذا ـ بغضّ النظر عن قضية صفين ـ هو الذي تقتضيه السياسة؛ فقد نصّ بعض الفقهاء على أن سلوك السياسة هو الأخذ بالحزم [1] ، وعند بعضهم أن السياسة شَرْعٌ مغلّظ [2] ، والله أعلم.

أذكركم بهذا لتعلموا أن شيوخ السلفية لا يتخطون خطى السلف، فليعرف لهم قدرهم من للحق انتصف.

فيا شباب الإسلام! توعية الأمة ليست بحاجة إلى داعية متحمس ولكن إلى مجتهد متفرس. فهل آن لكم أن تفرقوا بينهما؟

وأن تعرفوا أن فقه الواقع راجع إلى الذين شابت رؤوسهم مع نصوص الشارع، إنكم بجرأتكم هذه على أهل العلم واستصغاركم لهم واستخفافكم العملي بالوحيين وحملتهما، وتعظيمكم المدهش لحملة قصاصات الجرائد لنذير شر مستطير قال الله تعالى: {وقالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا القُرْءَانَ مَهْجُورًا} .

وتأملوا ما رواه البخاري عن ابن عباس"أن أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس ( في وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) ، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فقال اجلس، فأبى أن يجلس، فتشهد أبو بكر - رضي الله عنه - ، فمال إليه الناسُ وتركوا عمر". تركوا عمر ـ وما أدراك ما عمر! ـ لأنهم وجدوا أفضل وأعلم من عمر، وبرباطة جأش أبي بكر، وبحسن استماع الرعية، وبعدهم عن الحماسة التي لا تدعمها النصوص عُرف مصدر التلقي، فخمدت الفتنة في مهدها.

(1) انظر ( الإنصاف ( للمرداوي(10/250) .

(2) انظر ( معين الحكام ( لعلاء الدين الطرابلسي ص(164) ، و ( حاشية ابن عابدين ((4/15) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت