فهرس الكتاب
الواعي!! ) منها، وهو من هو علما وسمتا ووقارا، ثم هم يزدحمون على الدروس العاطفية والسياسية التي تنفخ ولا تربي وإن ربت ففي حدود البنود الحزبية؛ ذلك لأنهم يجهلون أن الشيخ وأمثاله يقدمون دروسهم على ذلك النمط لأنه منهج عرفوه من سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، أقصد ما قاله بعض السلف:"الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره"ـ كما يأتي بيانه قريبا فيما رواه البخاري ـ، وهؤلاء يقولون: ( يقدّم علما جافا ) ويقصدون جفافه من تزويقات قُصّاص هذا الزمان والكلمات المنمقة المؤنَّثة التي يبهرجون بها سترا لعورتهم العلمية، وتغريرا بالسذج إلى بدعتهم الحزبية، والحقيقة أنه هو العلم لو وجدوا له صبرا.
لقد عقد البخاري ـ رحمه الله ـ في (صحيحه ( في"باب العلم قبل القول والعمل" [1] مقارنة بين ابن عباس وأبي ذر رضي الله عنهما يبين بها معنى
( الرباني ) في قوله تعالى: {ما كانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللهُ الكِتابَ وَالحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لي مِن دُونِ اللهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وَبِما كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} بين فيه أن أبا ذر - رضي الله عنه - كان يذيع كل خبر يَعْلَمه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خوف كتمان العلم، وقد لا يراعى في ذلك مستوى الناس أو قدرتهم على التحمل. وأما ابن عباس فخلاف ذلك.
قال ـ رحمه الله ـ:"وقال أبو ذر: لو وضعتم الصَمْصامة [2] على هذه"
ـ وأشار إلى قفاه ـ ثم ظننت أني أُنْفِذ كلمة سمعتها من النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن تُجِيزوا علي لأَنْفَذتها.
(1) الفتح ((1/193) وما بعدها من الطبعة الجديدة.
(2) الصَّمْصامة: هي"السيف القاطع"، ( لسان العرب ( بتحقيق علي شيري(7/414) .