فهرس الكتاب
وفي هذه القصة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علِم هلاك كسرى لَمّا تجرَّأ على رسالته، ولم يُراع له حرمته؛ لأن الله قضى بقطع دابر شانيء رسوله وتعجيل بتره فقال: {إنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ} . ومن حسن الموافقة أن قاتل كسرى ابنُه، كما ذكر ذلك الحافظ في ( الفتح [1] ، وهو من تمام الإعجاز في إلقاء العداوة بين أفراد الأمة الواحدة، كيف وهي عداوة أهل بيت واحد؟! تحقيقًا لقول الله تعالى: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ} .
وقارن قصة كسرى هذه بقصة قيصر التي رواها البخاري وغيره، وفيها قول قيصر لأبي سفيان في رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"... فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدميّ هاتين، وقد كنتُ أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخْلُص إليه لتَجَشَّمْتُ لقاءه، ولو كنتُ عنده لغسلتُ عن قَدمه ...".
قال ابن تيمية:"وقد كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى كسرى وقيصر، وكلاهما لم يُسْلم، لكن قيصر أكرمَ كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأكرم رسوله، فثبَت ملكُه، فيقال: إن الملك باقٍ في ذريته إلى اليوم، وكسرى مزَّق كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستهزأ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقتله الله بعد قليل ومزَّق ملكه كل ممزق ولم يبق للأكاسرة ملك، وهذا ـ والله أعلم ـ تحقيق لقوله تعالى: {إنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَر} ، فكلُّ مَن شنَأه وأبغضه وعاداه فإن الله يقطع دابره ويمحق عينه وأثره، وقد قيل: إنها نزلت في العاص بن وائل أو في عقبة بن أبي معيط أو في كعب بن الأشرف، وقد رأيتَ صنيع الله بهم، ومن الكلام السائر:"
( لحوم العلماء مسمومة ) ، فكيف بلحوم الأنبياء عليهم السلام؟!" [2] ."
(1) 7/733ـ734).
(2) الصارم المسلول ( ص(164ـ165) ، وانظر (( الفتح ) )لابن حجر (1/44) .