فهرس الكتاب
ان (الايمان) الذي يقوم عليه بنيان الدين ، يجيء دائما بمثابة (معامل حضاري) ، يمتد افقيا لكي يصب ارادة الجماعة المؤمنة على معطيات الزمن والتراب ، ويوجهها في مسالكها الصحيحة ، ويجعلها تنسجم في علاقاتها ، وارتباطاتها مع حركة الكون والطبيعة ونواميسهما ، فيزيدها عطاءًا وقوة وايجابية وتناسقا .. كما يمتد عموديا في اعماق الانسان لكي يبعث فيه الاحساس الدائم بالمسؤولية ، ويقظة الضمير ، ويدفعه الى سباق زمني لامثيل له لاستغلال الفرصة التي اتيحت له كي يفجر طاقاته ويعبر عن قدراته التي منحه الله اياها ، على طريق (القيم) التي يؤمن بها و (الاهداف) التي يسعى لبلوغها ، فيما يعتبر جميعا - في نظر الاسلام - عبادة شاملة يتقرب بها الانسان الى الله .
ويتحدث القرآن الكريم عن هذا (السباق) عندما يصف المؤمنين بانهم (يسارعون في الخيرات) وانهم (لها سابقون) ، وفي كلا التعبيرين نلمح بوضوح فكرة (الزمن) ومحاولة اعتماده لتحقيق اكبر قدر ممكن من المعطيات ، ما تلبث ان ترتقي - بمقاييس الكم والنوع -بمجرد ان يتجاوز (المسلم) مرحلة الايمان ، الى المراحل الاعلى التي يحدثنا عنها القرآن في اماكن عديدة: (التقوى) و (الاحسان) !! .
وهكذا تجيء (التجربة الايمانية) لا لكي تمنح الحضارة ، في مرحلة نموها ، وحدتها وتفردها وشخصيتها وتماسكها وتحميها من التبعثر والتفكك والانهيار ، فحسب ، وانما لكي ترفدها بهذين البعدين الاساسيين اللذين يؤول اولهما الى تحقيق انسجامها مع نواميس الكون والطبيعة { أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } (751) ... وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ