الصفحة 127 من 142

فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ (752) ... ويعطيها ثانيهما قدرات ابداعية اكثر واعمق ، تتفجر على ايدي اناس يشعرون بمسؤوليتهم ، ويعانون يقظة ضمائرهم ، ويسابقون الزمن في عطائهم لانهم يؤمنون بالله واليوم الآخر ، لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ

وَلَا فَسَادًا (753) .

والواقع ان القرآن ، وهو يحض المؤمنين على التسارع الحضاري عملا

وانجازا وابداعا مسؤولا ويعلن رفضه للكسل والقعود والاتكال ، والعبور السالب للعالم دونما انشاء او تغيير او اعمار .. لايتجاوز ، انطلاقا من موقفه الوسطي الشامل ، مسألة في

مقابل هذا كله ، على غاية في الاهمية ، لانها تعد احدى المسائل الاساسية الفاصلة بين التجربتين الحضاريتين: الدينية ، والوضعية ، تلك هي التأكيد الدائم على ان حياة الانسان في الارض ، فردا وجماعة ، ليست ابدية دائمة ، انما هي عابرة موقوتة ، وان معطياته فيها ليست خالدة باقية ، انما هي معرضة في اية لحظة للدمار والزوال بناء على طبيعة (الحياة الدنيا) القائمة على التغير والتنوع ، والصعود ، والهبوط ، والميلاد والموت ، وان الحياة الحقيقية هي الحياة الاخرى التي تتميز بالبقاء والدوام ، والتي كتب للانسان فيها الخلود المطلق ، ومن ثم فان كل مايقدمه في هذه الحياة الفانية من اعمال ومنجزات يجب الا يكون هدفا بحد ذاته ، كما هو الحال في جل التجارب الوضعية ، انما هو وسيلة فقط لتهيئة الحياة الدنيا لعبادة الله وحده وايجاد المناخ المناسب لممارسة مهمة الاستخلاف التي جاء الانسان الى العالم لأدائها . وهكذا يغدو الانجاز الحضاري في الاسلام وسيلة الى غاية اكبر ، ويكتسب في الوقت ذاته اخلاقية كبرى ، لانجدها في سائر الحضارات ، تصده عن استخدام طاقاته وقدراته في غير الطريق الذي تحتمه هذه الغاية الشريفة البعيدة ، التي لا تقف عند حد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت