فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 272

أقبل الناس على معهد حراء إقبالًا عظيمًا، وكانت طرائق التعليم فيه مبتكرة تتمشى مع أحدث نظريات التربية، فكثير من الدروس كان يلقى في الهواء الطلق وبين خمائل الإسماعيلية وأفنان حدائقها الغناء، وكانت الحروف الهجائية ومبادئ الحساب تعلم بالمحسات من الطين أو الصلصال أو الكرات، وكان للتلاميذ حرية واسعة في أن يصارحوا المدرسين بكل ما يدور في أنفسهم من تعب أو إرهاق أو خواطر، وكانت الصلة بين الطالب والأستاذ وبين المدرسة والمنزل على أتم ما تكون من التعاون والوئام. ولا يزال كثير من شباب الإسماعيلية اليوم يذكرون فضل هذا المعهد. ويجدون في أنفسهم حلاوة ما وجدوا فيه من معاني التراحم والتعاطف بين الطلاب والمدرسين.

وقد تطور هذا المعهد، من وضعه النموذجي بعد مغادرتي الإسماعيلية إلى مدرسة ابتدائية لم تحظ بتشجيع وزارة المعارف، بل كان لها القسط الأكبر من معاكستها، والحمد لله الذي يحمد على كل حال حتى عادت مدرسة أولية عادية. وكانت العقبة الكأداء في سبيل نجاح الوضع الأول ندرة الصنف الذي يعتبر نفسه صاحب رسالة، لا طالب وظيفة بين الناس، لقد كنت أنتهز فرصة الحصص الخالية في جدولي في أثناء اليوم الدراسي، فأذهب توا إلى المعهد لألقي درسًا فيه على الطلاب بحضور بعض المدرسين، وكنت ألقي على المدرسين أنفسهم توجيهات طويلة عريضة في أثناء دروسهم وبعد انتهائها، وأشترك مع الكثير منهم في تحضير الدروس، وكنت أصاحب طلاب المعهد جميعًا إلى الحدائق وحدي، أو بمصاحبة بعض المدرسين أو ضباط النظام في المعهد، حيث أقضي معهم اكثر من ساعتين بعد نهاية الدروس أعني إلى وقت الغروب تقريبًا في نزهة أبيح لهم فيها حق السؤال وحرية الانتقال، وحرية اللعب، وحرية المزح، وأشاركهم في ضروب من هذا كله، حتى أن الكثيرين من هؤلاء الناشئين لم يكن يخفي عني شيئًا من شئونه الداخلية، أو المنزلية، ويشعر وأشعر معه بأنني منه بمنزلة الوالد، أو الأخ الكبير، كل هذا كنت أصنعه وأحاول أن أشعر المدرسين أن المقصود منه أن يكونوا كذلك، وأن يعتبروا أنفسهم حملة رسالة ودعاة فكرة، وبناة جيل. وكان هذا يثمر فعلًا في الكثير منهم، كما كان يذهب هباء منثورًا عند الكثير كذلك، وما أحوج مجتمعنا إلى الذين يعملون بأرواحهم لا بأشباحهم وبضمائرهم لا برقابة غيرهم عليهم، والقلوب بيد الله يقلبها كيف شاء.

الشيخ محمد سعيد العرفي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت