فهرس الكتاب
كان يقول لي دائما اسمع: لا تتحرج أبدًا من أن تضم إلى الدعوة المقصرين في الطاعات المقبلين على بعض المعاصي الخسيسة ما دمت تعرف منهم خوف الله، واحترام النظام، وحسن الطاعة، فإن هؤلاء سيتوبون من قريب، وإنما الدعوة مستشفي فيه الطبيب للدواء، وفيه المريض للاستشفاء. فلا تغلق الباب في وجه هؤلاء، بل إن استطعت أن تجتذبهم بكل الوسائل فافعل، لأن هذه هي مهمة الدعوة الأولى. ولكن احذر من صنفين حذرًا شديدا ولا تلحقهما لصفوف الدعوة أبدًا: الملحد الذي لا عقيدة له، وإن تظاهر بالصلاح فإنه لا أمل في إصلاحه وهو بعيد عنكم بأصل العقيدة، فما ترجون منه؟ والصالح الذي لا يحترم النظام، ولا يقدر معنى الطاعة، فإن هذا ينفع منفردًا، وينتج في العمل وحده، ولكنه يفسد نفوس الجماعة: يغريها بصلاحه، ويفرقها بخلافه، فإن استطعت أن تستفيد منه وهو بعيد عن الصفوف فافعل، وإلا فسد الصف واضطرب، والناس إذا رأوا واحدا خارج الصف لا يقولون خرج واحد، ولكن يقولون صف أعوج فاحترس من هذا كل الاحتراس؟
وكان يقول: العالم معلق بخيوط من الوهم. وإنما يكشف الإيمان وحده الحقائق أمام المؤمنين، ولهذا ينتصرون وإن ضعفت قوتهم، ويهزم غيرهم وإن استعد، ومن هنا كان الإيمان أقوى أسلحة العاملين في الحياة.
وكان يقول إني لأعرف إقبال الدنيا وإدبارها في كل شيء، فإذا أقبلت أقبل
كل شيء، حتى إن اللص الداعر ليتقدم إلى ليسلمني نفسه بمجرد مروري في الطريق، وإذا أدبرت أدبر معها كل شيء، حتى إن دابتي الذلول تجمح وتستعصي ولم يكن ذلك لها بخلق، ولقد دخلت مصر مرتين: مرة وأنا السيد محمد سعيد العرفي وجيه دير الزور وعالمها، فاستقبلني على إفريز القطار كبراء بلدكم وعظماؤه حتى خجلت من نفسي، ومرة وأنا السيد محمد سعيد المحكوم عليه من فرنسا بالنفي، والمجرد من ماله وثروته وحوله وقوته، فلم أجد من ينتظرني، أو يتقدم إلي بكلمة، حتى إني خجلت من نفسي مع أني في الحالة الثانية أحوج إلى المواساة، وأحق بها مني في المرة الأولى.
ولكن الله جعل لي في معرفة الإخوان أجزل المثوبة وأعظم العوض وأفضل العزاء، وكان أبيًا عزوفًا كريمًا جوادًا عفيفًا آثر أن يشتغل بتصحيح الكتب طول إقامته في مصر ويأكل من عمل يده ولم يتناول من أحد معونة أو هبة وكل ما في بيته بعد ذلك لإخوانه وزائريه.