فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 272

وفي بور سعيد حب للعلم والعلماء ومبادرة إلى كل دعوة تتصل بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته وذكرياته الكريمة، ولهذا بادر الناس رغم جهلهم التام الدعوة والداعين إلى الحضور، وكان الحفل رائعا والحشد عظيمًا رغم أنها أولى حفلات الإخوان، وحدث يوم الحفل أن اشتدت لي فجأة حالة احتقان في اللوزتين لم أستطع معها السفر من الإسماعيلية إلى بور سعيد إلا مضطجعًا من الإعياء، وقال لي الدكتور محمود بك صادق رحمه الله وقد كان طبيب المدرسة ورأي هذه الحال: إذا سافرت اليوم وخطبت الليلة فإنك تكون الجاني على نفسك، ولا أظنك تستطيع الخطابة بحال، ولكن مع هذا صممت على السفر ونزلت من في القطار إلى دار الإخوان وصليت المغرب فيها من قعود للإعياء وانتابتني بعد الصلاة حالة نفسية عجيبة فقد تصورت سرور الإخوان البورسعيديين بحفلهم هذا وآمالهم المعلقة عليه ونقودهم التي أنفقوها من قوتهم من أجله ودعوتهم التي بذلوا كل الجهد في توجيهها، ثم تكون النتيجة اعتذار الخطيب !.

تصورت هذه فبكيت بحرارة وأخذت أناجي الله تبارك وتعالى في تأثر عميق واستغراق عجيب إلى وقت صلاة العشاء فشعرت بشيء من النشاط وصليت العشاء من قيام، وجاء وقت الحفل وافتتح بالقرآن الكريم، ووقفت للخطابة وبدأت وأنا لا أكاد أسمع نفسي وسرعان ما شعرت بقوة عجيبة وشفاء تام وصفاء في الصوت غريب وارتفاع فيه كان يسمعه من في داخله ومن في خارجه - ولم يكن استخدام الميكرفون قد ذاع حينذاك - حتى كدت أحسد نفسي بل حسدتها فعلًا، وانتهي الحفل على خير ما يرام، وأظن أن هذه الخطبة قد استغرقت أكثر من ساعتين، ومن فضل الله وجميل كرمه أن هذا الاحتقان كان يعود لي كل عام تقريبًا ومنذ تلك الليلة وأنا لا أجده والحمد لله إلا أن يكون بردًا شديدًا أو مجهودًا عنيفًا، وكانت تلك فيما أعتقد بركة صدق إخوان بور سعيد في دعوتهم وتفانيهم في إبلاغها للناس.

وما زالت بور سعيد تتخطى بالدعوة من تقدم إلى تقدم ومن نصر إلى نصر حتى صار للإخوان بها أربع شعب قوية وملعب رياضي، وضمت الدعوة من خيرة شباب هذا الثغر العدد العظيم من المؤمنين الصادقين والمجاهدين العاملين.

الدعوة في البحر الصغير

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت