فهرس الكتاب
الحمد لله حمدًا جزيلًا على ما وفق إليه من الطاعة، وذاد عنه من المعصية، وشرح به الصدور من الخير. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة إيمان وإقرار وإذعان، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله. أفضل من صلى وصام وتهجد وقام وأحيا الليل والناس نيام، سيد كل عابد وخير من شيد المساجد، اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
"أما بعد" فيا عباد الله، إن أفضل القربات، وأعظم المبرات تشييد المساجد وعمارتها والإنفاق في سبيل إقامتها، وإنما يوفق الله إلى ذلك من أحب من عباده الطائعين كما قال تعالى: "إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين".
وأولئك قوم آثروا ما عند الله على ما في خزائنهم ووثقوا بما في يد الله أوثق مما في يدهم وعلموا أن ما عندهم ينفد وما عند الله باق، فأعطوا واتقوا وصدقوا بالحسنى فلهم عند الله التيسير لليسرى والجزاء الأسنى "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى".
وهل هناك عمل مبرور وسعى مشكور وفضل مأثور أشرف وأفضل وأعلى وأجل من تعمير" بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار".
والمساجد في الأمة الإسلامية معابد الصلوات ومدارس الآيات، وما الصلاة إلا رابطة وثيقة بين أهل الأرض ورب السماوات إذ يقفون بين يدي مولاهم خشعا، ويخرون لعظمته سجدًا وركعًا، وتناجيهم ألسنتهم وضمائرهم وهم في حضرته القدسية بالذكر والدعاء، فتنزل عليهم السكينة، وتتغشاهم الرحمة وتحف بهم الملائكة ويذكرهم الله فيمن عنده، يفرج كربتهم ويكشف غمهم ويدفع عنهم بأس عدوهم" إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور" يغمرهم بلطفه ويحميهم في كنفه ويكون عند ظنهم به" ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم" وأن العبد إذا تقرب إلى الله بالنوافل والصلوات كان الله سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها وإن سأله ليعطينه، وإن استعاذ به ليعيذنه.