فهرس الكتاب
وكانت مفاجأة ثالثة أن مجلس مديرية البحيرة عينني فعلًا مدرسا بمدرسة خربتا الأولية، ودعيت إلى تسلم عملي عقب الأجازة الصيفية مباشرة. فكان علي بناء على هذا أن أختار بين الوظيفة أو العودة إلى طلب العلم بدار العلوم، ولكني في النهاية فضلت أن أستمر في سلك التعلم، وأن أشد الرحال إلى القاهرة، حيث دار العلوم، وحيث المقر الرسمي لشيخنا السيد عبد الوهاب الحصافي ولم يكن يقلقني إلا شيء واحد هو الشعور بطول الغيبة عن المحمودية، وفيها الصديق الحميم، والأخ الحبيب أحمد أفندي السكري، ولكننا اتفقنا على إنفاذ هذا العزم، ما دام هو الأفضل ثم نتزاور بعد ذلك أو نتكاتب والعلم نوع من الجهاد، علينا أن نضحي في سبيله مهما كانت التضحية عزيزة غالية.
السنة الأولى بدار العلوم
انتهت الأجازة الصيفية، وقدمت إلى القاهرة وسكنت مع بعض الاخوة الأعزاء بالمنزل رقم 18 بشارع مراسينة بحي السيدة زينب رضي الله عنها، وكان أول منزل سكناه.
وغدوت يوم افتتاح الدراسة إلى دار العلوم، وكلي شوق إلى العلم، وقد وجهني الله إلى الدرس توجيهًا حميدًا، ولا أنسى الحصة الأولى، ولم نكن قد تسلمنا الكتب والأدوات بعد، وقد وقف أستاذنا الشاعر البدوي الشيخ محمد عبد المطلب أغدق الله عليه شآبيب الرحمة والرضوان - أمام السبورة على المنصة بقامته المديدة يحيي الطلبة الجدد، ويتمنى لهم النجاح والتوفيق، ثم كتب على السبورة:
قال عبيد بن الأبرص:
ولنا دار ورثنا مجدها الـ …أقدم القدموس عن عم وخال
منزل منه آباؤنا الـ…مورثونا المجد في أولي الليالي ثم أمسك بطوق جبته الأعلى، على عادته - رحمه الله - وقرأهما في جرس يحمل معنى الفخار والاعتزاز، ثم طالبنا بإعرابهما، فقلت في نفسي" بدأنا بالجد من أول يوم" وأخذت أتساءل: ما هذا القدموس؟ ولماذا قال منه وكان في وسعه أن يقول أسسه؟! وما زلنا ننحت في إعراب البيتين حتى نقلنا الحوار إلى الكلام عن عبيد بن الأبرص والحياة العربية وما فيها من خشونة ولين، وأيام العرب وأوابدها وأدواتها في حربها وسلمها، وأنواع الرماح والسيوف والسهام إلى السهم المريش والذي لا ريش له، واستشهد الأستاذ بالبيت المعروف:
ومتى بسهم ريشه الكحل لم يضر… ظواهر جلدي وهو للقلب جارح