فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 272

وأوصاني أن أعمل بقدر الاستطاعة، وأدع النتائج لله"لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها"لم يعجبني طبعا هذا القول، وأخذتني فورة الحماسة وتمثل أمامي شبح الإخفاق المرعب إذا كان هذا الجواب سيكون جواب كل من ألقى من هؤلاء القادة. فقلت له في قوة: " إنني أخالفك يا سيدي كل المخالفة في هذا الذي تقول. وأعتقد أن الأمر لا يعدو أن يكون ضعفًا فقط، وقعودًا عن العمل، وهروبًا من التبعات: من أي شيء تخافون؟ من الحكومة أو الأزهر؟.. يكفيكم معاشكم واقعدوا في بيوتكم واعملوا للإسلام، فالشعب معكم في الحقيقة لو واجهتموه، لأنه شعب مسلم، وقد عرفته في القهاوي ، وفي المساجد، وفي الشوارع، فرأيته يفيض إيمانًا، ولكنه قوة مهملة من هؤلاء الملحدين والإباحيين، وجرائدهم ومجلاتهم لا قيام لها إلا في غفلتكم، ولو تنبهتم لدخلوا جحورهم. يا أستاذ ! إن لم تريدوا أن تعملوا لله فاعملوا للدنيا وللرغيف الذي تأكلون، فإنه إذا ضاع الإسلام في هذه الأمة ضاع الأزهر، وضاع العلماء، فلا تجدون ما تأكلون، ولا ما تنفقون، فدافعوا عن كيانكم إن لم تدافعوا عن كيان الإسلام، واعملوا للدنيا إن لم تريدوا أن تعملوا للآخرة، وإلا فقد ضاعت دنياكم وآخرتكم على السواء"!.

وكنت أتكلم في حماسة وتأثر وشدة، من قلب محترق مكلوم، فانبرى بعض العلماء الجالسين يرد علي في قسوة كذلك، ويتهمني بأنني أسأت إلى الشيخ وخاطبته بما لا يليق، وأسأت إلى العلماء والأزهر، وأسأت بذلك إلى الإسلام القوي العزيز، والإسلام لا يضعف أبدا والله تكفل بنصره.

وقبل أن أرد عليه انبرى أحمد بك كامل هذا وقال: " لا يا أستاذ، من فضلك هذا الشاب لا يريد منكم إلا الاجتماع لنصرة الإسلام. وإن كنتم تريدون مكانًا تجتمعون فيه فهذه داري تحت تصرفكم افعلوا بها ما تريدون، وإن كنتم تريدون مالًا فلن نعدم المحسنين من المسلمين، ولكن أنتم القادة فسيروا ونحن وراءكم. أما هذه الحجج فلم تعد تنفع بشيء". هنا سألت جاري عن هذا الرجل المؤمن: من هو؟ فذكر لي اسمه - وما زال عالقًا بذهني ولم أره بعد - وانقسم المجلس إلى فريقين فريق يؤيد رأي الأستاذ العالم، وفريق يؤيد رأي أحمد بك كامل، والشيخ - رحمه الله - ساكت. ثم بدا له أن ينهي هذا الأمر فقال: على كل حال نسأل الله أن يوفقنا للعمل بما يرضيه، ولا شك أن المقاصد كلها متجهة إلى العمل، والأمور بيد الله. وأظننا الآن على موعد مع الشيخ محمد سعد فهيا لنزوره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت