فهرس الكتاب
ولست أنسى في القاهرة منزل الأستاذ فريد بك وجدي وقد كنت من قراء مجلة الحياة وكتبه الكثيرة عن الإسلام ومدنيته، وعشاق دائرة المعارف، فما إن أقمت بالقاهرة حتى قصدت إلى داره، وكانت حينذاك بالخليج المصري وكان له بالوالد صداقة قريبة، وكانت داره مجتمع الفضلاء من الناس، يتدارسون علوما شتى من بعد العصر تقريبا، ثم يخرجون للنزهة. وكنت كثيرًا ما أغشى هذا الدار رغبة في الاستفادة.
ولا أزال أذكر هذا الخلاف الذي قام بيني وبين الأستاذ فريد بك وانضم إليه فيه صديقه أحمد بك أبو ستيت حول شخصية الأرواح، إذ كان فريد بك يرى أن الأرواح التي تستحضر هي أرواح الموتى أنفسهم وأرى غير ذلك، وتشعب بنا البحث في هذه الناحية، وانتهينا وكل عند وجهة نظره، وقد أفدت كثيرا من هذه المجالس حينذاك.
وهكذا كانت حياتي في القاهرة خليطا عجيبا من الحضرة في منزل الشيخ أو منزل علي أفندي غالب، إلى" المكتبة السلفية" حيث السيد محب الدين، إلى دار المنار والسيد رشيد، إلى منزل الشيخ الدجوي، ثم منزل فريد بك وجدي، ودار الكتب أحيانا، ومسجد شيخون أحيانا أخرى.
الدبلوم
وجاء وقت الامتحان، وظهرت نتيجته، وحصلت على الدبلوم في يونية سنة 1927. ولا أنسى الامتحان الشفهي وقد تقدمت فيه إلى اللجنة - وكانت مؤلفة من الأستاذ أبو الفتح الفقى رحمه الله، والأستاذ نجاتي - بمجموعة من المحفوظات بلغت ثمانية عشر ألف بيت ومثلها من المنثور ومنها معلقة طرفة، فلم أسأل إلا في بيت من المعلقة، وأربعة أبيات، من قصيدة شوقي في نابليون، ومناقشة حول عمر الخيام، وقضي الأمر، ولم آسف على هذا المجهود، إذ كنت أبذله من أول يوم للعلم لا للامتحان.
بين البعثة والوظيفة