فهرس الكتاب
ولقد وجدت عند بعض الإخوان الكرام فكرة التقدم بطلب الترشيح للبعثة إلى الخارج باعتبار أن ذلك من حق الأول في الدبلوم دائما. ولكنى كنت مترددا في ذلك بدافع العاملين السابقين: عامل حب الاستزادة من العلم ولو من أوربا أو الصين، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها، وعام العزوف عن هذه المظاهر والرغبة في سرعة العمل لتحقيق الفكرة التي ملكت على نفسي، وهي فكرة الدعوة إلى الرجوع إلى تعاليم الإسلام، والتنفير من هذا التقليد الغربي الأعمى، ومن مفاسد قشور المدنية الغربية. وأراحني من هذا التردد أن دار العلوم لم ترشح لهذا العام أحدا فلم يبق إلا الوظيفة، وكنت أظن أنها لا تعدو أن تكون في مدارس القاهرة، ولكن كثرة المتخرجين في هذا العام وقلة غدد الذين طلبتهم وزارة المعارف - فهي لم تطلب اكثر من ثمانية وتركت الباقين لمجالس المديريات - لم تجعل لأحد في القاهرة نصيبا وصدرت الأوامر باثنين فقط، هما الأول والثاني، فكان نصيبي الإسماعيلية، وكان نصيب الأستاذ إبراهيم مدكور حينذاك - والدكتور إبراهيم مدكور الآن - الإسكندرية ثم عصفت به السياسة إلى إدفو، فاستقال وسافر إلى أوربا ليتمم دراسته على نفقته، وألحق بعد ذلك بالبعثة الحكومية. وكان نصيب إخواننا الستة الوجه القبلي.
فوجئت بهذا التعيين ولم اكن أدري أين الإسماعيلية بالضبط وذهبت إلى ديوان المعارف معترضا، فلقيني أستاذنا عبد الحميد بك حسني وبدعابته اللطيفة وروحه المرح استطاع أن يهدئ من غضبي، واستعان بفضيلة أستاذنا الشيخ عبد الحميد الخولي - رحمه الله - وكان لزوره حين ذلك، ودخل علينا الأستاذ علي حسب الله، ابن الإسماعيلية البار، فاستشهدا به على أنها من خير بلاد الله، وأنني سأجد فيها الخير والراحة، فهي بلد الهدوء وجمال الطبيعة والإنتاج الوفير.