فهرس الكتاب
وعدت فاستشرت الوالد، فقال على بركة الله، والخير ما يختاره. فانشرح صدري بذاك، وأخذت أعد العدة لهذا السفر الذي ظهرت حكمة الله فيه جلية واضحة فيما بعد، والله أعلم حيث يجعل رسالته، وسافرت على بركه الله وأنا مشغول البال -بالأسلوب الذي، أسلكه للدعوة، معتقدا أنني صرت أحمل هذه الأمانة بالإسماعيلية، والأخ أحمد أفندي السكري يحملها بالمحمودية، وتركنا الأخوين الفاضلين الشيخ أحمد عسكرية - رحمه الله - والشيخ أحمد عبد الحميد بالقاهرة، حتى عين أولهما واعظا بالزقازيق بعد العالمية، واختار الثاني - بعد العالمية كذلك وبعض الوقت بالتخصص - والاشتغال بالأعمال الزراعية الحرة بكفر الدوار، وحمل الدعوة بها، وكنا كما قال القائل:
بالشام أهلي، وبغداد الهوى ………وأنا بالرقمتين، وبالفسطاط جيراني
وانصرف كل يعمل بأسلوبه الذي وفقه الله إليه. وبعد عام من هذا السفر تقريبا، وفي هدوء الإسماعيلية الجميل، ومن أبنائها المباركين البررة تكونت أول نواة لتشكيلات الإخوان المسلمين وشعبهم.
في الطريق إلى الإسماعيلية
في يوم الاثنين الموافق 16 سبتمبر سنة 1927 - ويؤسفني ألا أذكر التاريخ الهجري لهذا اليوم - اجتمع الأصدقاء ليودعوا صديقهم المسافر إلى الإسماعيلية، ليتسلم عمله الجديد الذي أسند إليه، وهو التدريس بمدرسة الإسماعيلية الابتدائية الأميرية.
ولم يكن هذا الصديق يعرف عن الإسماعيلية شيئا من قبل إلا أنها بلد ناء بعيد شرق الدلتا الأقصى، يفصله عن القاهرة فضاء فسيح من رمال الصحراء الشرقية، وتقع على بحيرة التمساح المتصلة بقناة السويس، وأخذ الصديق يستقبل أصدقاءه ليودعهم ويودعوه، وأخذ الأصدقاء يتجاذبون أطراف الحديث، وكان فيهم محمد أفندي الشرنوبي، وهو رجل ذو تقوى وصلاح، فكان مما قال: " إن الرجل الصالح يترك أثرا صالحا في كل مكان ينزل فيه،؟نحن نأمل أن يترك صديقنا أثرا صالحا في هذا البلد الجديد عليه" وأخذت هذه الكلمات مكانها من نفس الصديق المسافر، وانفضن الجمع، واستقل المسافر قطار الضحى، ليصل إلى الإسماعيلية ظهرا حيث يواجه لأول مرة حياته العملية، وجها لوجه.
وسار القطار والتقى المسافر بزملاء له، عينوا حديثا في نفس المدرسة التي عين فيها، وكان منهم على ما يذكر محمد بهي الدين سند أفندي، وأحمد حافظ أفندي وعبد المجيد عزت أفندي، ومحمود عبد النبي أفندي.