فهرس الكتاب
والتقى المسافر بزميل مدرس بمدرسة السويس الابتدائية، ينتمي إلى الطريقة الحامدية الشاذلية، ويفضي إليه المسافر بآماله في الإصلاح الإسلامي والدعوة إلى الإسلام، ثم يكتب عنه في مذكراته هذه العبارة: " وهذه الفرصة القصيرة لا تكفي للحكم على نفسية الرجل وروحه، وإن بدا لي أنه إنسان يعيش ليحفظ حياته بعمله. يسعد بعقيدته في ربه، ودينه وشيخه، ويسر بما يرى حوله من مظاهر احترام الإخوان له". وإذن فقد كان هذا المسافر لا يفكر في أن يعيق ليحفظ حياته بعمله فقط، وإذن فقد كانت عقيدة المسافر لا ترض أن تكون قاصرة عليه وحده، وإذن فقد كان هم هذا المسافر شيئا آخر غير ما يرى من مظاهر احترام الإخوان له.
وصل القطار إلى الإسماعيلية وتفرق المسافرون كل إلى وجهته، وأشرف صاحبنا على هذا البلد الجميل، الذي كان يبدو رجاله كأروع ما يكون إذا نظر إليه المسافر بن فوق قنطرة سكة الحديد، واستهوت هذه المناظر قلب القادم الجديد، وأخذت بلبه، فوقف هنيهة، وسبح لحظة في عالم من الخيال أو المناجاة، يحاول أن يقرأ في لوح الغيب ما كتب له في هذا البلد الطيب، ويسأل الله تبارك وتعالي في حرارة وصفاء مناجاة، أن يقدر له ما فيه الخير، وأن يجنبه ما فيه الشرور والآثام، فإنه يحس من أعماق قلبه، أنه لا بد له في هذا البلد من شأن غير شأن هؤلاء الغادين الرائحين من أهله وزائريه.
في الفندق
ويصل المسافر إلى الفندق فيودع فيه حقيبته، وليس معه غيرها، و"زور المدرسة التي سيعمل فيها، ويلقى الناظر والمدرسين، ويتناول الجميع أطراف الحديث، ويتعرف هذا الضيف إلى صديق له قديم، هو الأستاذ إبراهيم البنهاوي أفندي المدرس القديم بالمدرسة، ورغب لم أن يرافقه في سكنه، فإذا بهذا الصديق ي!لر أن يسكن في" بنسيون" ولا يرى صاحبنا الضيف بأسا في موافقته على ما يرى، ويحتل الصديقان غرفة واحدة في منزل السيدة" أم جيمي" الإنجليزية ثم في منزل السيدة" مدام ببينا" الإيطالية.
بين المسجد والمدرسة
ويقضى هذا المدرس الجديد وقته بين المسجد والمدرسة والمنزل، لا يحاول أن يختلط بأحد ولا يتعرف إلى غير بيئته الخاصة من زملائه في وقت العمل. أما وقت فراغه فهو مكب فيه على رياضة، أو دراسة لهذا الوطن الجديد، من حيث أهله، ومناظره وخصائصه، أو مطالعة أو تلاوة، لا يزيد على ذلك شيئا مدى أربعين يوما كاملة، ولم يزايله لحظة من اللحظات كلمة الصديق المودع.