فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 272

"إن الرجل الصاع يترك أثرا صالحا في كل. مكان ينزل فيه، وإنا لنرجو أن

يترك صديقنا أثرا صالحا في هذا البلد الجديد عليه".

خلاف ديني

وفي المسجد استطاع هذا النزيل الجديد، أن يعرف كثيرا من أنباء الإسماعيلية الدينية، وظروفها الاجتماعية، وقد عرف فيما عرف، أن هذا البلد تغلب عليه النزعة الأوربية إذ تحيط به المعسكرات البريطانية من غربيه وتكنفه مستعمرة إدارة شركة قناة السويس من شرقيه، وهو محصور بين ذلك، ومعظم أهله يعملون في هاتين الناحيتين ، ويتصلون بالحياة الأوربية من قريب، وتطالعهم وجوه الحياة الأوربية في كال مكان.. هذا البلد، مع هذا كله، فيه شعور إسلامي قوي، والتفاف حول العلماء وتقدير لما يقولون.

وقد عرف هذا النزيل فيما عرف أن مدرسا إسلاميا سبقه في هذا البلد، وطلع على أهله بنظرات، في الفكرة الإسلامية، بدت غريبة أمام معظمهم، ونشط لمقاومتها بعض علمائهم، فنتج عن ذلك انقسام بين الناس، وتحيز لآراء وأفكار لا تجتمع عليها القلوب، ولا تنبني معها الوحدة المنشودة التي لا تتحقق بدونها غاية.

إلى القهاوي مرة ثانية

فأخذ يفكر فيما يصنع، وكيف يواجه هذا الانقسام، وهو يرى أن كل متكلم في الإسلام، يواجهه كل فريق بفكرته، ويريد أن يضمه إلى جانبه أو أن يعلم على الأقل، أهو من حزبه أو من أعاديه، وهو يريد أن يخاطب الجميع، وأن يتصل بالجميع وأن يلم شتات الجميع؟!. فكر طويلا في ذلك، ثم قرر أن يعتزل هذه الفرق كلها، وأن يبتعد ما استطاع عن الحديث إلى الناس في المساجد، فالمسجد وجهور المسجد هم الذين ما زالوا يذكرون موضوعات الخلاف، ويثيرونها عند كل مناسبة، وإذن فليترك هذا النزيل المسجد وأهله، وليفكر في سبيل أخرى يتصل بها بالناس، ولم لا يتحدث إلى جمهور القهوة في القهوة؟.

ساورته هذه الفكرة حينا، ثم اختمرت في رأسه، وبدأ ينفذها فعلا، اختار لذلك ثلاث مقاه كبيرة، تجمع ألوفا من الناس ورتب في كل منها درسين في الأسبوع وأخذ يزاول التدريس بانتظام في هذه الأماكن. وقد بدأ هذا اللون من ألوان الوعظ والتدريس الديني غريبا في نظر الناس أولا، ثم ما لبثوا أن ألفوه وأقبلوا عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت