فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 272

كان المدرس دقيقا في أسلوبه الفريد الجديد، فهو يتحرى الموضوع الذي يتحدث فيه جيدا بحيث لا يتعدى أن يكون وعظا عاما: تذكيرً بالله واليوم الآخر، وترغيبا وترهيبا، فلا يعرض لتجريح أو تعريض، ولا يتناول المنكرات والآثام التي يعكف عليها هؤلاء الجالسون بلوم أو تعنيف، ولكنه يقنع بأن يدع شيئا من التأثير في هذه النفوس وكفي. وهو كذلك يتحرى الأسلوب فيجعله سهلا جذابا مشوقا، خليطا بين العامية أحيانا، ويمزجه بالمحسات والأمثال والحكايات،ويحاول أن يجعله خطابيا مؤثرا في كثير من الأحيان،وهكذا يتحايل دائما على جذب هذه النفوس باعثا الرغبة والشوق إلى ما يقول،وهو بعد هذا لا يطيل حتى لا يمل،ولكنه لا يزيد في الدرس على عشر دقائق،فإذا أطال فربع ساعة، مع الحرص التام على أن يوفي في هذا الوقت معنى خاصا، يقصد إليه، ويتركه وافيا واضحا في نفوس السامعين، وهو حين يعرض - فيما يعرض - لآية أو حديث يتخير تخيرا مناسبا، ثم يقرأ قراءة خاشعة، ثم يتجنب التفاسير الاصطلاحية، والتعليقات الفنية، ويكتفي بالمعنى الإجمالي يوضحه، والاستشهاد المقصود يشرحه.

كان لهذا المسلك أثره في الجمهور الإسماعيلى. وأخذ الناس يتحدثون ويتساءلون، وأقبلوا إلى هذه المقاهي ينتظرون، وعمل هذا الوعظ عمله في نفوس المستمعين، وبخاصة المواظبين منهم، فأخذوا يفيقون ويفكرون، ثم تدرجوا من ذلك إلى سؤاله عما يجب أن يفعلوا ليقوموا بحق الله عليهم وليؤدوا واجبهم نحو دينهم وأمتهم، وليضمنوا النجاه من العذاب، والفوز بالنعيم، وابتدأ هو يجيبهم إجابات غير قاطعة جذبا لانتباههم واسترعاء لقلوبهم، وانتظارا للفرصة السانحة، وتهيئة للنفوس الجامحة.

تعليم عملي

وتوالت الأسئلة على المدرس من هذه القلوب المؤمنة الطيبة، ولم يشف غليلها هذا الجواب المقتضب، وألح نفر من الإخوان، في وجوب رسم الطريق التي يجب أن يسلكوها، ليكونوا مسلمين ينطبق عليهم بحق وصف الإسلام، فهم يريدون أن يتعلموا أحكام الإسلام بعد أن تحرك وجدانهم بشعور أهل الإسلام، فيشير عليهم المدرس باختيار مكان خاص يجتمعون فيه بعد دروس المقهي أو قبلها ليتدارسوا هذه الأحكام، ويقع اختيارهم على زاوية نائية في حاجة إلى شيء من الرميم والتصليح للاجتماع ولإقامة الشعائر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت