فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 272

يا الله.. ما أطيب قلوب هذا الشعب، وما أعظم مبادرته إلى الخير، متى وجد الداعية المخلص البريء: لقد أسرع هؤلاء الإخوان، وفيهم أهل المهن المعمارية المختلفة إلى الزاو ية يرممونها، و يستكملون أدواتها، ويهيئونها لما يريدون وفي ليلتين اثنتين استطاعوا أداء المهمة على أكمل وجوهها وانعقد بالزاوية أول إجتماع.

كان المجتمعون حديثي عهد بالتعبد، أو بعبارة أدق كان معظمهم كذلك، فسلك بهم المدرس مسلكًا عمليًا بحتًا. إنه لم يعمل إلى العبارات يلقيها، أو إلى الأحكام المجردة يرددها ولكن أخذهم إلى (الحنفيات) توًا، وصفهم صفًا ووقف فيهم موقف المرشد إلى الأهمال عملا عملًا، حتى أتموا وضوءهم، ثم دعا غيرهم، ثم غيرهم، وهكذا أصبح الجميع يتقنون الوضوء عملًا، ثم أفاض معهم في فضائل الوضوء الروحية والبدنية والدنيوية، وشوقهم فيما ورد في مثوبته من الأحاديث عن النبي ص من مثل قوله عليه الصلاة والسلام: " من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره" وقوله ص: " ما من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء، ويصلى ركعتين، يقبل بقلبه ووجهه عليهما إلا وجبت له الجنة" يثير ذلك شوقهم ويرغبهم فيما ندبهم الله له. ثم ينتقل بهم بعد ذلك إلى الصلاة شارحا أعمالها، مطالبا إياهم بأدائها عمليا أمامه، ذاكرا ما ورد في فضلها، مخوفا من تركها، وهو في أثناء ذلك كله يستظهر معهم الفاتحة، واحدا واحدا، ويصحح لهم ما يحفظون من قصار السور، سورة سورة مقتصرا في حديثه إياهم على الكيفيات المشربة بالترغيب والترهيب، لا يحاول أن يفرع المسائل، أو يلجأ إلى المصطلحات الغامضة، حتى رقت للأحكام قلوبهم ووضحت في أذهانهم، ولم تعد هذه الناحية الفقهية البحتة تبدو خشنة جافة.

عقيدة الفطرة

ثم هو في أثناء ذلك كله، وخلال كل مجلس من مجالسه، يطرق باب العقيدة الصحيحة فينميها ويقويها ويثبتها بما يورد من آيات الكتاب الحكيم، وأحاديث الرسول العظيم، وسير الصالحين، ومسالك المؤمنين والموقنين. ولا يعمد كذلك إلى نظريات فلسفية، أو أقيسة منطقية، وإنما يلفت الأنظار إلى عظمة الباري في كونه، وإلى جلال صفاته بالنظر في مخلوقاته، ويذكر بالآخرة في أسلوب وعظي تذكيري لا يعدو جلال القران الكريم في هذه المعاني كلها، ثم لا يحاول هدم عقيدة فاسدة إلا بعد بناء عقيدة صالحة، وما أسهل الهدم بعد البناء وأشقه قبل ذلك، وهي نظرة دقيقة، ما أكثر ما تغيب عن إدراك المصلحين الواعظين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت