فهرس الكتاب
واضطرب بعض الإخوان وحاول التحرك من موضعه فكان الأمر حازمًا جازمًا بعدم الحركة حتى تهدأ السيارة والأعصاب ونفكر فيما سيكون وضحكت وقلت لأمين الطعام أين الشاي المحفوظ عندك؟ فقال: ولماذا؟ فقلت: نشرب فقال وتمزح في هذه الساعة؟ وكان هذا الأخ محمود أفندي الجعفري وكان خفيف الروح عذب الحديث شجاع النفس بادي المروءة، فقلت له بل أجد يا محمود فهات الشاي وامتثل الأمر، وأخرج الترمس من جانبه وصب شايا وأخذنا نشرب ونحن على حافة الموت فعلا ولكنها رعاية الله. وبعد أن هدأنا وهدأ السائق والسيارة أخذ الأخ حسن يوسف وهو قائدنا وسائقنا الماهر يتحرك إلى الخلف في سرعة لا تزيد عن بطء السلحفاة وكله حذر وأعصاب. ومضى نصف ساعة تقريبًا ونحن على هذه الحال حتى انتهينا إلى عرض مناسب في الطريق واندفعنا إلى الصراط المستقيم وأنجانا الله من هول هذه اللحظات. وكان عجيبًا كذلك أن نصل إلى الإسماعيلية حوالي الساعة السادسة صباحًا تقريبًا فنرى أن السيارة نفد كل ما فيها من زيت ولا ندري بم كانت تسير، وهي والمصادفة الموفقة أن يوافق نفاد الزيت نهاية الشوط والحمد لله على منه وكرمه وجميل لطفه" إن ربي لطيف لما يشاء"..
مباحث
وأذكر أننا في هذه الرحلة أيضًا وقفنا بالقرب من ديرب نجم على مفترق طرق زراعية متشابهة لم ندر أيها نسلك، وتلفتنا لنجد أحدًا نسأله فلم نجد في الحقول ولا على رؤوس هذه الطرق أحدًا، وأخيرًا تذكر أحدنا وهو الأخ الأومباشي محمد شلش - وكان بقسم روض الفرج إذ ذاك وقد رغب أن يصاحبنا في هذه الرحلة - أن معه صفارة البوليس فأخرجها ونفخ فيها فتسارع الخفراء من كل مكان، وجاء أقربهم فأخذ التعظيم العسكري ببندقيته وسأل مين يا أفندم؟ فقال له الأخ شلش: " مباحث" وأسر في أذنه كلامًا ثم قال له أين الطريق؟ فدلنا الخفير عليه بكل أدب، وأخذنا وجهتنا إلى حيث نريد وقلت للأخ شلش لماذا تكذب؟ فابتسم وقال: ما كذبت فإنما نحن مباحث عن الحق وعن الخير وعن الدين ولو قلت له غير ذلك لما رضي إلا بأن نصحبه إلى العمدة ومن يدري كيف يتصرف معنا العمدة فقد نحجز عنده إلى الصباح ونحن لا وقت عندنا لهذا كله، وكانت نكتة طريفة وتخلصًا أشد طرافة.
ضد النظام القائم