ركبوا ثَبَجَ تصنيف الآخرين للتشهير والتنفير والصد عن سواء السبيل) [ص 9]
وقال: ( ... وقد جرَّت هذه الظاهرة إلى الهلكة في ظاهرة أخرى من كثرة التساؤلات المتجنية ... - مع بسمة خبيثة - عن فلان وعلان، والإيغال بالدخول في نيته وقصده، فإذا رأوا شيخًا ثنى ركبتيه للدرس ولم يجدوا عليه أي ملحظ دخلوا في نيته، وكيَّفوا حاله: [ليبني نفسه، لسان حاله يقول: أنا ابن من فاعرفوني، ليتقمص شخصية الكبار، يترصد الزعامة ... ] وإن ترفقوا وغلبهم الورع قالوا: [محترف بالعلم] ، وإن تورع الجراح عن الجرح بالعبارة، أو استنفدها، أو أراد ما هو أكثر إيغالًا بالجرح - سلك طريق الجرح بالإشارة، أو الحركة بما يكون أخبث وأكثر إقذاعًا مثل: تحريك الرأس، وتعويج الفم، وصرفه، والتفاته، وتحميض الوجه، وتجعيد الجبين وتكليح الوجه والتغير والتضجر، أو يُسأل عنه فيشير إلى فمه أو لسانه معبرًا عن أنه كذاب أو بذيء، ومثل تقليب اليد أو نفضها، إلى غير ذلك من أساليب التوهين بالإشارة أو التحريك.
ألا شُلَّت تلك اليمين عند حركة التوهين ظلمًا، وصُدِعت تلك الجبين عند تجعيدها للتوهين ظلمًا، وياليت بِنِسْعَةٍ مِن جِلد تربط بها تلك الشفة عند تعويجها للتوهين ظلمًا.
ولله در أبي العباس النميري، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى إذ وضع النصال على النصال في كشف مكنونات تصرفات الجراحين ظلمًا فقال [1] :"فمن الناس من يغتاب موافقة لجلسائه وأصحابه وعشائره مع علمه أن المغتاب بريء مما يقولون، أو فيه بعض ما يقولون، لكن يرى أنه لو أنكر عليهم قطع المجلس واستثقله أهل المجلس ونفروا عنه، فيرى موافقتهم من حسن المعاشرة وطيب المصاحبة وقد يغضبون فيغضب لغضبهم فيخوض معهم."
ومنهم من يخرج الغيبة في قوالب شتى: تارة في قالب ديانة وصلاح، فيقول: ليس لي عادة أن أذكر أحدًا إلا بخير، ولا أحب الغيبة والكذب، وإنما أخبركم بأحواله. ويقول: والله إنه مسكين. أو: رجل جيد لكن فيه كيت وكيت. وربما يقول: دعونا منه، الله يغفر لنا وله. وإنما قصده استنقاصه وهضمًا لجنابه. ويخرجون الغيبة في قوالب صلاح وديانة، يخادعون الله بذلك كما يخادعون مخلوقًا وقد رأينا منهم ألوانًا كثيرة من هذا وأشباهه.
ومنهم من يرفع غيره رياءً فيرفع نفسه، فيقول: لو دعوتُ البارحة في صلاتي لفلان؛ لِمَا بلغني عنه كيت وكيت، ليرفع نفسه، ويضعه عند من يعتقده.
أو يقول: فلان بليد الذهن، قليل الفهم، وقصده مدح نفسه وإثبات معرفته وأنه أفضل منه، ومنهم من يحمله الحسد على الغيبة فيجمع بين أمرين قبيحين، الغيبة والحسد، وإذا أثنى على شخص أزال ذلك عنه بما استطاع من تنقصه في قالب دين وصلاح، أو في قالب حسد وفجور وقدح؛ ليسقط ذلك عنه. ومنهم من يخرج الغيبة في قالب تمسخر ولعب، ليضحك
(1) قال الشيخ في الهامش: (مجموع الفتاوى 28/ 237 - 238)