الصفحة 151 من 280

-وقال رحمه الله في ترجمة ابن صاعد رحمه الله:"وقد ذكرنا مخاصمة بينه وبين ابن أبي داود وحط كل واحد منهما على الآخر في ترجمة ابن أبي داود ونحن لا نقبل كلام الأقران بعضهم في بعض وهما بحمد الله ثقتان"

-قال التاج السبكي رحمه الله في طبقات الشافعية:"ينبغي لك - أيها المسترشد - أن تسلك سبيل الأدب مع الأئمة الماضين، وأن لا تنظر إلى كلام بعضهم في بعض إلا إذا أتى ببرهان واضح، ثم إن قدرت على التأويل وتحسين الظن فدونك، وإلا فاضرب صفحًا عما جرى بينهم، فإنك لم تخلق لهذا، فاشتغل بما يعنيك، ودع عنك ما لا يعنيك، ولا يزال طالب العلم نبيلًا حتى يخوض فيما جرى بين الماضين" (27) .

وبعد أن ذكر كلام الأئمة في بعض قال رحمه الله:"فإنك إن اشتغلت بذلك خفتُ عليك الهلاك؛ فالقوم أئمة أعلام، ولأقوالهم محامل، وربما لم نفهم بعضها، فليس لنا إلا الترضي عنهم والسكوت عما جرى بينهم كما يفعل فيما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم" (28) .

وأختم الكلام عن هذا الموضوع بكلام قيم للإمام ابن عبد البر رحمه الله إذ يقول:"فمن أراد أن يقبل قول العلماء الثقات الأئمة الأثبات بعضهم في بعض فليقبل قول من ذكرنا قوله من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين بعضهم في بعض، فإن فعل ذلك ضل ضلالًا بعيدًا وخسر خسرانًا مبينًا، وكذلك إن قبل في سعيد بن المسيب قول عكرمة، وفي الشعبي والنخعي وأهل الحجاز وأهل مكة وأهل الكوفة وأهل الشام على الجملة، وفي مالك والشافعي وسائر من ذكرنا في هذا الباب، ما ذكرنا عن بعضهم في بعض، فإن لم يفعل - ولن يفعل إن هداه الله وألهمه رشده - فليقف عند ما شرطنا: أن لا يقبل فيمن صحت عدالته وعلمت بالعلم عنايته، وسلم من الكبائر، ولزم المروءة والتعاون، وكان خيره غالبًا، وشره أقل عمله، فهذا لا يقبل فيه قول قائل لا برهان له به فهذا هو الحق الذي لا يصح غيره إن شاء الله" (29) .

المبحث الثاني عشر: هل هناك أحد يسلم من ألسنة الناس؟

بعد ذكر كلام العلماء في مسألة الحسد الحاصل بين أهل العلم وتحذيرهم من قبول الجرح إذا تبين أنه لحسد أو منافرة لعل سائلًا أن يسأل: هل يسلم أحد من ألسنة الناس الطاعنين بلا دليل؟ وهل إلى إسكات الحساد عن قولهم الإفك من سبيل؟ وللإجابة على هذا السؤال أقول وبالله التوفيق:

إن رضى الناس غاية لا تدرك، وأمنية لا تتحقق، فإن اختلاف أمزجة الناس وأفكارهم كفيل بتحقيق الاختلاف بينهم مما يجر كلام بعضهم في بعض.

ليس يخلو المرء من ضد وإن *** حاول العزلة في رأس جبل

قال الإمام الذهبي رحمه الله:"وقلَّ من برز في الإمامة ورد على من خالفه إلا عودي، نعوذ بالله من الهوى" (30) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت