الصفحة 155 من 280

هذا الميزان ينبغي أن نطبقه مع إخواننا ومشايخنا، فلا نغلوا فيهم، ولا نبخسهم حقهم لمجرد هفوة أو زلة صدرت من أحدهم فالمرء يوزن بتقواه ومن كثرت حسناته تُغوضِيَ عن سيئاته.

استمع لكلام سلفنا وتذكر قول الإمام الشافعي:"إني لأظفر بالمسألة لم أكن قد سمعتها من قبل، فأود لو أن كل جسمي آذانٌ ليستمتعَ جسمي كما استمتعت أذني".

يقول الإمام الذهبي ـ والذهبي ذهبي الكلام ـ"إنَّ الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعُلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعُرف صلاحه وورعه واتباعه للحق يغفر له زلَله، لا نضلله، ولا نطرحه، ولا ننسى محاسنه، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك"أهـ

لذلك علينا ألا نشهر بأحدٍ، ولا نبالغ في إفشاء ستره، فلو فتح هذا الباب لما سلم لنا أحدٌ من الأئمة والدعاة، إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون، وهلك فيه هالكون.

مثلًا: ضعف بعضهم الإمام البخاري فيرد ابن حجر - رحمه الله - فيقول: ومن ضعفه فهو الضعيف.

إخوتاه ..

يقول الإمام السبكي:"من ثبتت إمامته وعدالته وكثر مادحوه ومزكوه وندر جارحوه وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره فإنَّا لا نلتفت إلى الجرح فيه، ونعمل فيه بالعدالة" [1]

فهذا هو الأصل ليس صنف من الناس إلا وفيه عيب، فمن ذا خلص من الآفات، ومن ذا صفا من الكدورات، فاللهم اجبر نقصنا، واغفر زللنا إليك يا رب المشتكى.

القاعدة الثانية: التحري والتصور لجميع حال ذلك الإنسان:

يقول ابن حجر رحمه الله تعالى:"إن الذي يتصدى لضبط الأفعال والأقوال والرجال يلزمه التحري في النقل فلا يجزم إلا بما يتحققه لا يكتفي بالقول الشائع"أهـ

مثلًا: تجد من الإخوة من يحضر درسًا فينقل عن الشيخ كلامًا ربما لم يقله، أو فهمه بطريق الخطأ، في مثل هذه الأحوال ينبغي أن تتحرى فتسأل الشيخ أو الثقات الأثبات حتى لا تنتشر المقولات الكاذبة عن الدعاة والعلماء.

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"بئس مطية الرجل زعموا" [2] فهذه من علامات السند المنقطع؛ لذلك لابدَّ من اتصال السند، والتحقق والتحري بنفسك، خاصةً إذا ترتب على ذلك مفسدة كالطعن في أحد من أهل العلم والصلاح، وإن كان في الواقعة أمرٌ فادح كموقف أو قول أو فعل

(1) قاعدة في الجرح والتعديل تحقيق أبو غدة.

(2) 2 أخرجه أبو داود (4972) ك الأدب، باب في قول الرجل زعموا، والإمام أحمد (4/ 119) ، (5/ 401) ، والبخاري في الأدب المفرد (762) باب ما يقول الرجل إذا = زكى، والطحاوي في مشكل الآثار (1/ 68) ، وصححه الشيخ الألباني ـ رحمه الله - في الصحيحة (866) وصحيح الأدب المفرد (586) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت