فهرس الكتاب
في حق المستور فينبغي ألا يبالغ في إفشائه، بل يكتفي بالإشارة لئلا يكون الأمر فلتة، أو على غير الوجه الذي تتصوره. لذلك يحتاج المسلم إلى أن يكون عارفًا بمقادير الناس، وبأحوالهم ومنازلهم فلا يرفع الوضيع، ولا يضع الرفيع. فيا لله لو أعطى الناس بدعواهم لذهبت أموال وأنفس كثيرة لا يعلمها إلا الله، فإياك وسماع الدعاوى فإنَّها لا تثمر خيرًا، وأكثر الشرور تأتى من"قيل وقال وسمعت وظننت وبلغني"فإياك .. إياك فمن صحت عدالته، وعُلم بالعلم عنايته، وسلم من الكبائر ولزم المروءة، وكان خيره غالبًا، وشره أقل عمله، فهذا لا يُقبل فيه قول قائل لا برهان له به. فدلائل الأمور أشد تثبيتًا من شهادات الرجال، إلا أن يكون في الخبر دليلٌ، ومع الشهادة برهانٌ؛ لأن الدليل لا يكذب ولا ينافق، ولا يزيد، ولا يبدل، وشهادة الإنسان لا تمتنع من ذلك وهذا هو الحق - إن شاء الله - الذي لا حق غيره.
القاعدة الثالثة: التثبت من كلام الأقران وأرباب المذاهب والجماعات في بعضهم البعض:
كلام الأقران لا يعبأ به خاصة إذا بدا لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد، كذلك في الإخوة الأقران الذين بينهم وبين بعض تنافس كأصحاب المحلات الواحدة، أو المهنة المشتركة، أو أصحاب دعوات مختلفة أو أصحاب أفكار متباينة.
هؤلاء لا يقبل كلام بعضهم في بعض - كما يقول الإمام الذهبي - في قاعدته الذهبية:
"كلام الأقران يُطوى ولا يُروى، فإن ذُكر تأمله المحدث فإن وجد له متابعًا، وإلا أعرض عنه".
مثلًا: يشيع أن تجد العداوات بين الأصحاب إذا اختلفوا، وناءت بهم السبل، أو رجل كان متزوجًا من امرأة فطلقها فيبدأ في التقول عليها، أو العكس فكل ذلك يُطوى ولا يُروى إلا إذا وُجد الدليل على صدق القائل. ينبغي أن نحمل الكلام محملًا حسنًا، وحسن الظن واجب، والتأويل الحسن لازم لسلامة الصدر.
القاعدة الرابعة: الخبرة بمدلولات الألفاظ ومقاصدها:
يقول الأدباء: قد يوحش اللفظ، وكله وُدّ. حين يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ - مثلًا -"ثكلتك أمك" [1] معناها فقدتك، فاللفظ موحش ولكنه يفيض محبة، فالرسول أراد أن يفهمه وقد قال له - صلى الله عليه وسلم -"إني لأحبك يا معاذ" [2]
ففهم مدلولات الألفاظ ضرورة، فمن الألفاظ ما يجرى على الألسنة بغير قصد لمدلوله الظاهر، بل يتعارف الناس فيه معنى آخر، ويتداول بينهم حتى يعود هو المتبادر.
(1) جزء من حديث أخرجه الترمذي (2616) ك الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة وقال: حسن صحيح، وابن ماجة (3973) ك الفتن، باب كف اللسان في الفتنة، وصححه الشيخ الألباني - -رحمه الله - في صحيح الترمذي (2110) ، وصحيح ابن ماجة (3209) .
(2) جزء من حديث أخرجه أبو داود (1522) ك الصلاة، باب في الاستغفار، والنسائي (1303) كتاب السهو، باب نوع آخر من الدعاء، والإمام أحمد في مسنده (5/ 247) ، وصححه الشيخ الألباني - رحمه الله - في صحيح الجامع (7969) .