الصفحة 157 من 280

كمثل قولهم: ويله وويل أمه، تربت يمينه، ... الخ هذه العبارات، وهنا ينظر أصحاب العقول البصيرة، فيتأملوا قرائن الحال والمتكلم، فإن كان وليًا فهو الولاء، وإن بدا القول خشنًا، وإن كان عدوًا فهو البلاء حتى ولو بدا القول حسنًا [1]

يقول الإمام السبكي:"فكثيرًا ما رأيت من يسمع لفظة فيفهمها على غير وجهها، فيغير على الكتاب والمؤلف ومن عاشره ومن استن بسنته مع أن المؤلف لم يرد بذلك الوجه الذي وصل إليه ذلك الرجل".

إذا كان الرجل ثقة مشهودًا له بالإيمان والاستقامة فلا ينبغي أن يُحمل كلامه وألفاظ كتاباته على غير ما تعود منه بل ينبغي التأويل الصالح، وحسن الظن الواجب به وبأمثاله، ليس شيء أنفع لمن لا يدري مدلول الألفاظ من أن يسيء الظن بنفسه، وأن يرجع إلى غيره، ليس في الدنيا إنسان إلا وهو في حاجة إلى تثقيف وزيادة علم، والمستعين بغيره أبدًا على خير، فلذلك ينبغي أن نفهم مدلولات الألفاظ، فإن فهم الألفاظ على وجه خطأ هو الذي يُفسد ويسيء.

القاعدة الخامسة: ألا يجرح من لا يحتاج إلى جرحه.

ينبغي على المسلم حفظ لسانه، وصيانة جارحته عن أعراض المسلمين، فليس هو عليهم بحفيظ ولا بمسيطر.

وشأن المسلم أن ينشغل بدعوة الناس وردهم إلى الإسلام ردًا جميلًا، لا أن يوطن نفسه في تصنيف الناس والحكم عليهم.

ومن الناس من لا تحتاج إلى البحث عنه، لا تفتش عن عدالته أو جرحه، حتى وإن بدت أمارات حرص، فلا ينبغي أن تنشغل بالمفضول - أو قل ما هو من جنس المتروك - عن الفاضل من الأعمال والأقوال والطاعات.

القاعدة السادسة: عدم الاكتفاء بنقل الجرح فقط فيمن وجد فيه الجرح والتعديل:

فإذا عُلم عن المرء خيره وشره، فلا ينبغي أن نكون أصحاب نفوس ذبابية لا تقف إلا على الشيء القذر، بل ينبغي أن نتحلى بصفة الإنصاف، وإن كنا في زمان قل فيه من يعرف وأقل منه من يُنصف.

مثلًا: يسألونك عن بعض الجماعات فتقول: أناسٌ على خير كثير، نحسبهم مخلصين، وفي الدعوة مجتهدين، وأصحاب سمت وأدب وهدى صالح لكن عندهم بعض البدع.

فلا تنقل أنهم مبتدعة أو على بدعة في بعض ما يصنعون، ولكن تنقل التعديل والتجريح معًا.

(1) انظر أحكام صنعة الكلام للقلاعي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت