الصفحة 159 من 280

تحذير من التعلق بالأشخاص

مقال بعنوان: (صفر أو 100 %) للشيخ سلمان العودة - الجزء الأول

الأحكام العقلية المعتدلة تستطيع أن تستخلص الصواب القليل المغمور في صواب غزير. وهذا من منهج العدل الذي قرره الإسلام. وحين ذكر الله الخمر والميسر في القرآن قال: {يسألونك عن الخمر والميسر، قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس، وإثمهما أكبر من نفعهما} . وفي موضع الأمر بأن نكون قوامين بالقسط شهداء لله، ولا تمنعنا العداوة و الشنآن من العدل فهو الأقرب للتقوى.

وهذه القاعدة تكاد - مع الأسف - أن تغيب في حياة المسلمين، بما في ذلك خاصتهم، ففي مجال الجرح والتعديل المعاصر تعود المسلمون، إما أن يثقوا بالرجل ثقة مطلقة لا مثنوية فيها، ويقلدوه في الجليل والحقير، وإما أن يسقطوه من الحساب فلا يقبلوا منه صرفا ولا عدلا. ومن عجب أنهم أحيانا ينتقلون من النقيض إلى النقيض، فذاك الذي كان بالأمس ملء أسماعنا وأبصارنا، أصبحنا اليوم لا نملك إزاءه سمعا ولا بصرا! وهذه من ثمرات الاندفاع العاطفي غير البصير، فإن العاطفة إذا طغت سريعة التقلب لا تعرف الاستقرار والثبات. سمعت أحدهم يقول على لسان طائفة: فلان أخطأ في مسألة كذا فلا نسمع منه شيئا!! حسنا ... إذا فأنتم لا تسمعون إلا من المعصومين؟! ومن أين لكم بهم؟! لا سبيل أمامكم إلا أحد سبيلين:

أولهما: ألا تسمعوا من أحد، لأنه ما من أحد إلا و يخطئ قل خطؤه أم كثر، ومعنى ذلك أن تعتمدوا على أنفسكم فلا تنتفعوا بشيخ، ولا تجلسوا إلى فقيه، ولا تسمعوا إلى داع، ثم من قال أنكم أنتم لا تخطئون؟ ولِمَ لَمْ تفترضوا أن المسألة التي تنمقونها على فلان أو فلان إنه هو المصيب وأنتم المخطئون؟! أما السبيل الثاني: فهو أن تسلكوا مسلك الفرق الباطنية التي اخترعت لها (( معصومين ) )وإن كانوا في الحقيقة (( معدومين ) )وجعلت قولهم تشريعا، والرّاد عليهم رادا على الله تعالى، وهو على حد الشرك بالله. ولا يستغربن هذا الكلام أحد أو يظن أن يستحيل أن يحدث من بعض المسلمين فإن كثيرا من الناس يقولون مقالة أهل الرفض بلسان الحال إن لم يقولوها بلسان المقال. كثيرون يقولون لك: نسلم بأن (( فلانا ) )ليس معصوما، لكننا لا نعرف له خطأ على سبيل التعيين والتحديد، أو يقولون: ليس معصوما، لكنهم يعاملونه من الناحية الواقعية معاملة المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى. وما خصومات الصراع المذهبي الذي أنهك المسلمين عبر عصور التاريخ، ولا يزال إلى اليوم، إلا أثر واحد فقط من آثار العقلية التسليمية المفرطة! ولا ندري متى يفرق المسلمون بين (( تقديس ) )الأشخاص وبين (( تقديرهم ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت