فهرس الكتاب
الوحيين الشريفين، والجهل بدلائلها تارة، وسوء الفهم لها تارة أخرى وتوظيفها في غير ما دلت عليه , وبتر كلام العالِم تارة , والأخذ بمتشابه قوله تارة أخرى.
وقد هدى الله (جماعة المسلمين) أهل السنة والجماعة - الذين مَحَّضُوا الإسلام ولم يشوبوه بغيره - إلى القول الحق , والمذهب العدل , والمعتقد الوسط بين الإفراط والتفريط مما قامت عليه دلائل الكتاب والسنة، ومضى عليه سلف الأمة من الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين لهم بإحسان إلى يومنا هذا , وقد بينه علماء الاسلام في كتب الاعتقاد , وفي (باب حكم المرتد) من كتب فقه الشريعة المطهرة , من أن الإيمان: قول باللسان، واعتقاد بالقلب , وعمل بالجوارح, يزيد بالطاعة , وينقص بالمعصية ولا يزول بها , فجمعوا بين نصوص الوعد والوعيد ونزلوها منزلتها , وأن الكفر يكون بالاعتقاد وبالقول وبالفعل وبالشك وبالترك , وليس محصورا بالتكذيب بالقلب كما تقوله المرجئة , ولا يلزم من زوال بعض الإيمان زوال كله كما تقوله الخوارج.
و أختم هذا الفصل بكلام جامع لابن القيم - رحمه الله تعالى - في كتاب:"الفوائد"بيَّن فيه آراء من ضل في معرفة حقيقة الإيمان , ثم ختمه ببيان الحق في ذلك , فقال - رحمه الله تعالى:
"و أما الإيمان: فأكثر الناس أو كلهم يدعونه {و ما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} [يوسف/103] و أكثر المؤمنين إنما عندهم إيمان مجمل , و أما الإيمان المفصل بما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم معرفة وعلما و إقرارًا و محبة , ومعرفة بضده وكراهيته وبغضه , فهذا إيمان خواص الأمة وخاصة الرسول , وهو إيمان الصديق وحزبه."
وكثير من الناس حظهم من الإيمان الإقرار بوجود الصانع , وأنه وحده هو الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما , و هذا لم يكن ينكره عباد الأصنام من قريش ونحوهم.
و آخرون الإيمان عندهم التكلم بالشهادتين سواء كان معه عمل أو لم يكن , وسواء رافق تصديق القلب أو خالفه.
و آخرون عندهم الإيمان مجرد تصديق القلب بأن الله سبحانه خالق السماوات و الأرض و أن محمدا عبده ورسوله , و إن لم يقر بلسانه ولم يعمل شيئا , بل ولو سب الله ورسوله و أتى بكل عظيمة , وهو يعتقد وحدانية الله ونبوة رسوله فهو مؤمن.
و آخرون عندهم الإيمان هو جحد صفات الرب تعالى من علوه على عرشه , وتكلمه بكلماته وكتبه , وسمعه وبصره ومشيئته وقدرته و إرادته وحبه وبغضه , وغير ذلك مما وصف به نفسه, ووصف به رسوله , فالإيمان عندهم إنكار حقائق ذلك كله وجحده , والوقوف مع ما تقتضيه آراء المتهوكين وأفكار المخرصين الذين يَرُدُّ بعضهم على بعض , وينقض بعضهم قول بعض , الذين هم كما قال عمر بن الخطاب و الإمام أحمد: مختلفون في الكتاب , مخالفون للكتاب متفقون على مفارقة الكتاب.