الصفحة 45 من 69

... يرى ابن عطية أن السبب الرئيسي في جعل التأويل مردودا هو سبب منهجي، ذلك أن من يروم تفسير القرآن الكريم لابد أن يزود نفسه بجملة علوم ضرورية تمكنه من سبر أغوار الآيات والسور القرآنية والكشف عن معانيها وإدراك، أحكامها وفقه توجيهاتها، ومن ثم فإنه لا يجوز لكل ذي تخصص معين أن يفسر القرآن الكريم من جانب تخصصه فقط. فصاحب اللغة يفسر لغته، وصاحب النحو يفسر نحوه، وصاحب الفقه يفسر آيات الأحكام، فأصحاب الاختصاص بتعبيرنا اليوم، وأهل الجهة باصطلاح السلف الصالح، هم وحدهم الذين يجوز لهم تفسير ما لم يرد فيه نص من الكتاب أو السنة أو أقوال الصحابة والتابعين. وهذا نص كلام ابن عطية في هذه المسألة:"ويروى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ( من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ ) (1) ومعنى هذا: أن يسأل الرجل عن معنى في كتاب الله فيتسور عليه برأيه دون نظر فيما قال العلماء، أواقتضته قوانين العلوم كالنجوم والأصول، وليس يدخل في هذا الحديث أن يفسر اللغويون لغته، والنحاة نحوه، والفقهاء معانيه ، ويقول كل واحد باجتهاده المبني على قوانين علم ونظر . فإن هذا القائل على هذه الصفة ليس قائلا بمجرد رأيه" (2) .

... وهنا تبدو المنهجية العلمية واضحة جلية، ويتضح أن تفسير القرآن الكريم ليس عملا هينا، بل هو عمل علمي جبار يحتاج إلى دراية، وخبرة وتمرس، فضلا عما يحتاجه المفسر من ملكات مبدعة وقدرات فذة، تمكنه من التفاعل مع الخطاب القرآني والتجاوب معه، مما يفتح الباب أمامه للكشف عن بعض حقائق الذكر الحكيم .

(1) سنن ابن داود: كتاب العلم . باب الكلام في كتاب الله بغير علم. كما أخرجه الترمذي في سننه: كتاب تفسير القرآن عن رسول الله (صلعم ) باب ما جاء في الذي يفسر برأيه ، ج 5 ، ص 200 ، رقم الحديث 2952 ولفظه (من قال في القرآن ... الحديث ) .

(2) مقدمتان في علوم القرآن: ص 262 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت