فهرس الكتاب
... وهذا النص يفصح عن عقلية منضبطة بمنطق علمي، وبمنهج ثابت الأصول والقواعد، قرره الكتاب والسنة، وأكدته أعمال وأبحاث السلف الصالح الذين كانوا يتورعون عن الخوض في ما لا علم لهم به، حتى أثرت عنهم كلمة"لا أدري"في كثير من القضايا والأمور التي استفتوا فيها، بل جعلوا"لا أدري"قاعدة ثابتة من قواعد المنهج الإسلامي في البحث ، فأثر عن الإمام مالك-رحمه الله- قوله:"العلم آية محكمة،"
أو سنة مبينة ثابتة، أو: لا أدري" (1) ."
... وليس في هذا حجر على العقول كما يزعم البعض، بل هو السبيل الأمثل للتوظيف الصحيح لكل الطاقات العقلية والفكرية والوجدانية التي حبانا الله بها، وهو التجرد للعلم وللحقيقة بحيث لا يكون الهوى أو الانتصار للمذهب هو الذي يتحكم ويرسم طريق البحث وتحصيل العلم والمعرفة . ومن هنا"دخل الإلتزام بكلمة"والله أعلم". يثبتها علماء الإسلام بعد الذي يقدمون أو يدونون من علم، وتلقانا"والله اعلم"في تراث السلف الصالح ، فيتندر بها من لا يدرون أنها من تحرج العلماء، ولعلها التي تحمي الامة من جرأة من يجسر على ادعاء العلم بكل شيء، وما خشي نبينا - صلى الله عليه وسلم - على الدين إلا من آفته ( آفة الدين ثلاث: فقيه فاجر، وإمام جائر، ومجتهد جاهل ) (2) " (3) .
ثالثا: مرتكزات التفريق بين نوعي التأويل عند الإمام الغزالي (ت 505هـ) :
(1) القرآن وقضايا الإنسان: د . عائشة عبد الرحمن ، ص 439 ، دار العلم للملايين ، بيروت ، الطبعة الأولى ، يناير 1972م .
(2) أخرجه الديلمي في مسند الفردوس عن ابن عباس . يراجع الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير ، وهما للجلال السيوطي ، جمع الشيخ يوسف النبهاني ، ج 1 ، ص 11 ، ط الحلبي ، القاهرة، 1351هـ/1932 م .
(3) القرآن وقضايا الإنسان: ص 443 .