فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 93

قال شيخ الإسلام رحمه اللَّه: والرسل صلى اللَّه عليهم وسلم بُعثوا لتقرير الفطرة وتكميلها لا لتغيير الفطرة وتحويلها، وإذا كان القلب محبًا لله وحده مخلصًا له الدين لم يُبْتَل بحب غيره [أصلًا] ، فضلًا أن يُبتلى بالعشق وحيث ابتلي بالعشق فلنقص محبته لله وحده . ولهذا لما كان يوسف محبًا لله مخلصًا له الدين لم يُبتل بذلك ، بل قال تعالى: ( كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (( 1) . وأما امرأة العزيز فكانت مشركة هي وقومها ، فلهذا ابتليت بالعشق ، وما يبتلي بالعشق أحد إلاَّ لنقص توحيده وإيمانه ، وإلا فالقلب المنيب إلى اللَّه الخائف منه فيه صارفان يصرفانه عن العشق:

(أحدهما) : إنابته إلى اللَّه ، ومحبته له ، فإن ذلك ألذ وأطيب من كل شيء، فلا تبقى مع اللَّه محبة مخلوق تزاحمه .

و (الثاني) : خوفه من اللَّه ، فإن الخوف المضاد للعشق يصرفه، وكل من أحب شيئًا بعشق أو غير عشق فإنه يُصرف عن محبته بمحبة ما هو أحب إليه منه ، إذا كان يزاحمه ، وينصرف عن محبته بخوف حصول ضرر يكون أبغض إليه من ترك ذاك الحب ، فإذا كان اللَّه أحب إلى العبد من كل شيء، وأخوف عنده من كل شيء ، لم يحصل معه عشق ولا مزاحمة إلاَّ عند غفلة أو عند ضعف هذا الحب والخوف ، بترك بعض الواجبات وفعل بعض المحرمات ، فإن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فكلما فعل العبد الطاعة محبة للَّه وخوفًا منه وترك المعصية حبًا له وخوفًا منه قوي حبه له وخوفه منه ، فيزيل ما في القلب من محبة غيره ومخافة غيره ) (2) .

(1) سورة يوسف ، الآية 24 .

(2) مجموع الفتاوى (10/135-136) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت