فهرس الكتاب
إذًا له أن يشترط، فلو أن رجلا قال: لله علي نذرٌ أن اعتكف العشر الأواخر من رمضان، لكنه إذا حضرت جنازة فإني أشهدها - يعني أتبعها - حتى تدفن، وقال: أعود والدي المريض أو قال: أزور والدي في البيت لأنظر حاجته، أو قال: أخرج إلى الطعام وآكل في البيت، أو قال: أبيت عند أهلي في البيت، فإذا اشترط، فله ما اشترط، فإذا اشترط ما له منه بد مما يحتاجه ولا ينافي الاعتكاف فإنه يصح،
[ق1] وأما إذا اشترط ما له منه بد وهو ينافي الاعتكاف كتجارة أو نحو ذلك، فإن هذا الاشتراط لا يجوز؛ لأنه ينافي الاعتكاف، هذا هو مذهب الحنابلة.
[ق2] وخالف من الحنابلة ابن عقيل والمجد ابن تيمية، وهو رواية عن أحمد في مسألة اشتراط ما له منه بد مما ليس بقربة، كأن يشترط طعامًا أو مبيتًا في البيت؛ قالوا: إن اشترط ذلك فإنه لا يصح وأولى منه لو شرط الخروج لتجارة ونحوها، قالوا: لأن ذلك ينافي الاعتكاف، فإنه خرج من المعتكف لغير عيادة أو شهادة؛ لأن العبادة لا تنافي الاعتكاف، فكلاهما عبادة لله عز وجل.
[ق3] وذهب الإمام مالك: إلى أن الاشتراط من أصله لا يصح؛ لأن حقيقة الاعتكاف في لزوم الشيء والاشتراط فيه يقتضي الخروج من هذا لالتزام في هذا الموضع، فحينئذ لا يصح الاشتراط مطلقًا.
? والذي يظهر لي في هذه المسألة:
1 -أنه إن شرط عدم الاعتكاف إن مرض فلا بأس وكذا لعدم نفقه لقوله - صلى الله عليه وسلم - لضباعة بنت الزبير: (اشترطي على ربك فإن لك على ربك ما استثنيت) .
أما أن يشترط أمرًا من الأمور التي تنافي الاعتكاف منافاة ظاهرة، كما يكون ذلك في أمور التجارة ونحو ذلك، فإن القول بعدم جواز الاشتراط ظاهر كما تقدم، ولعله اتفاق بين أهل العلم فلم أر فيه بينهم اختلافًا.
2 -وأما اشتراط القربة أو ما له منه بد، فالذي يظهر جوازه أيضًا؛ لأن غاية الأمر في الناذر أن نذره وقع على هذه، ولا يشكل هذا مع ما تقدم من أن الاعتكاف يصح ولو قلّ، كما لو قال رجل: لله علي أن اعتكف يوم الاثنين باستثناء ما بين صلاة الظهر والعصر.
إذًا له أن يشترط، وأما المعتكف تطوعًا فإن الأمر فيه واسع، فإذا نوى أن يعتكف ويخرج للطعام والشراب ونحو ذلك، ثم يعود إلى معتكفه، فالأمر فيه واسع [1] .
فالذي يظهر لي والله أعلم: صحة الاشتراط مطلقًا كما ذهب إليه الحنابلة، إذ لا دليل يمنع من ذلك، والاعتكاف، بل لو رأيت خلافًا بين أهل العلم فيما لو اشترط خروجًا للتجارة ونحوها لقلت بجوازه؛ وذلك أن هذه الأعمال وإن نافت الاعتكاف منافاة ظاهرة في المسجد، لأن المسجد ليس محلًا للتكسب والعمل، ومن هنا أجمع العلماء على تحريم التكسب والتجارة للمعتكف في المسجد، فإنها ليست منافية له خارج المسجد، والأكمل ألا يخرج وأن يبقى في المسجد، كما تقدم من سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإذا خرج يفوته من الأجر بقدر خروجه.
(1) [المشيقح: ? لكن هل يجوز الخروج لهذه القربه بالشرط؟.
[ق1] أكثر العلماء يجوز الخروج لها بالشرط، يعني لابد أن تشترط في بدء الاعتكاف أنه يخرج لها.
واستدلوا: بحديث ضباعة بنت الزبير وأنها قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم - أنها تريد الحج وتجدها شاكية فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم: (( حجي واشترطي ) ).
ففيه الاشتراط في العبادة، وورد الاشتراط في الدعاء وهو عبادة: {والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين} . [النور: 9] ، كما في آيات اللعان.
[ق2] : مالك رحمه الله، لا يصح الشرط؛ لأن العبادات توقيفية.
ويظهر والله أعلم: ما ذهب إليه الجمهور؛ لأن الشروط وردت في العبادات فمادام أن الشرط جنسه ورد في العبادة فيظهر أنه جائز ولا بأس به إن شاء الله.].