الصفحة 40 من 108

3 -ولم يذكر المؤلف هنا الجاهل، سواء كان جاهلا بالتحريم أو بالوقت؛ لأن الجاهل في مذهب الحنابلة والجمهور يفطر إن أكل أو شرب أو فعل مفطرا جاهلًا، والمراد الجاهل بالحكم، واستدلوا بقوله - صلى الله عليه وسلم: (أفطر الحاجم والمحجوم) لما مر على الرجلين وأحدهما يحتجم والآخر محتجم، قالوا: فدل على أنه لا يعذر بالجهل.

أ- مثال الجاهل بالتحريم: كالذي يستقيء عمدا، وهو يجهل أن هذا مفطر.

ب- ومثال الجاهل بالوقت: الذي يفطر قبل غروب الشمس حيث لم يتمكن من اليقين، فيظن أن الشمس قد غربت ثم اتضح له أن الشمس لم تغرب، ويكون قد عمل بغلبة ظنه حيث لم يقدر على اليقين، بخلاف الذي يقدر على اليقين - كأن يفتح الباب وينظر إلى الشمس -، فهذا ليس له أن يفطر كما سيأتي حتى يتيقن أن الشمس قد غربت.

فالجاهل بالتحريم والجاهل بالوقت في المذهب يفطران.

[ق2] واختار شيخ الإسلام، وهو قول أبي الخطاب من الحنابلة، وهو مذهب طائفة من السلف كإسحاق ومجاهد والحسن: أن الجاهل معذور أيضا قياسا على الناسي والمكره، ولما ثبت في الصحيحين في قصة عدي - صلى الله عليه وسلم - لما نزل قول الله عز وجل: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ثم أتموا الصيام إلى الليل} قبل أن ينزل قوله {من الفجر} ، فأخذ عقالين أبيض وأسود وأخذ ينظر إليهما، فقال له - صلى الله عليه وسلم - لما أخبره: (إنما هو سواد الليل وبياض النهار) ، فهنا النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمره بالقضاء.

وأما الجاهل بالوقت، فيدل عليه حديث أسماء رضي الله عنها في صحيح البخاري قالت:

"أفطر الناس في يوم غيم ثم طلعت الشمس"قال هشام بن عروة، وهو الراوي عن أبيه عن عائشة، لما قيل له: هل قضوا؟ قال:"بدٌّ من قضاء"، لكن هذا من رأيه لا من روايته، بدليل أنه سئل كما في البخاري أيضا: هل أُمروا بالقضاء؟ قال:"لا أدري".

والذي يترجح أنه لمّا لم يذكر القضاء فإنهم لم يأمروا به، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وكذلك القاعدة الشرعية: أن الشارع لا يفرق بين الجاهل والناسي في فعل المحذورات والمفسدات.

وأما حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) فليس صريحا في أنهما لا يفطران بل المقصود من ذلك أن من فعل ذلك فإنه يفطر، على أن هذه قضية عين لا تخالف بها القاعدة الشرعية المتقدمة وهي قاعدة: إلحاق الجاهل بالناسي، ويحتمل فيها أن مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - مجرد الإخبار بأن من فعل ذلك فإنه يفطر بدليل تعميمه في الأخبار الأخرى.

وعلى ذلك لو أن إنسانا كان في صحراء وكان هناك غيم ولا يسمع النداء وغلب عن ظنه أن الشمس قد غربت، فأفطر ثم إن الشمس قد طلعت، أو رجل كبير السن في بيته وليس عنده أحد يخدمه أو غاب من يخدمه ويخبره بالوقت، فأفطر وهو يظن أن الشمس قد غربت، فبان بعد أنها لم تغب، فإنه حينئذ لا يجب عليه القضاء، ونأمره بالإمساك لأن الشمس لم تغرب، فلا زال النهار، كمن يأكل ويشرب ناسيا، فيؤمر بالإمساك وليس له أن يفطر، ولذا ذكر بعض أهل العلم لو أن رجلا عنده عنقود من عنب فأخذ يأكل، حتى لما بقيت عنبة تذكّر، فقال: إن كان ما سبق لا يفطر، فهذه لا تفطر، فأكلها، فحيث قلنا: إن الجاهل لا يعذر، فإنا نفطره بهذه الحبة، ولا نفطره بالشيء الكثير. وأما إن قلنا إن الجاهل يعذر، فإنا ننظر في حاله، فإن كانت هذه من المسائل التي يصح الجهل فيها، وهذه قد يصح فيها ذلك، فيعذر المكلف بذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت