الصفحة 53 من 108

يعني كانت المرأة المجامعة معذورة أو بإكراه، فعليها القضاء ولا كفارة، هذا هو المشهور في المذهب، وهذا ظاهر لما تقدم من الأدلة السابقة.

وهذه العبارة تدل على أن الرجل ليس بمعذور؛ لأن الرجل لا يمكن أن يجامع مكرها، فلا يمكن أن ينتشر ذكره مع الإكراه.

لكن هذا فيه نظر؛ لأنه إذا هُدِّد بقتل، فإن هذا إكراه، ثم إنه قد يحصل منه ما يحصل من الرجل إذا قرب من المرأة.

? إذًا الراجح أن الإكراه ممكن واختاره شيخنا.

لكنهم قالوا: ولا يعذر بنسيان ولا بجهل، واستدلوا بحديث المجامع المتقدم وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره بالكفارة وأمره بالقضاء في رواية أبي داود، ولم يستفصل أهو ناس أم ذاكر أهو مكره أم لا، أهو جاهل أم عالم، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم من المقال. وهذا ضعيف ولذا تقدم في الجهل أن الجمهور يوافقون الحنابلة في سائر المفطرات.

? وتقدم الراجح: وأن الجهل يعذر به، فنقول هنا: أيضا النسيان؛ لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم: (من أفطر ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفارة) ، ولأن الجماع كسائر المفطرات، فيقاس على الطعام والشراب في قوله - صلى الله عليه وسلم: (من نسي فأكل أو شرب ناسيا فليتم صومه) ، وهذا هو مذهب جمهور العلماء.

إذًا قال جمهور العلماء: لا يجب على المجامع في نهار رمضان الكفارة، وكذلك لا يجب عليه القضاء إن جامع ناسيا أو مكرها.

?واختار شيخ الإسلام: أو جاهلا، إذًا الراجح أن من جامع ناسيا أو مكرها أو جاهلا فإنه لا قضاء عليه ولا كفارة؛ لأن قوله:"هلكت"ونحو ذلك يدل على أنه لم يقع ذلك منه على سبيل النسيان أو الإكراه أو الجهل، وإنما وقع ذلك على سبيل العلم والاختيار، وإلا لَمَا قال ذلك، قالوا: ولأن الأصل هو عدم النسيان وعدم الإكراه وعدم الجهل، فالأصل في الفاعل للشيء أن يكون قد فعله عن علم واختيار وذكر، فالحكم قد أنزل على الأصل، ويؤيد هذا ما تقدم من سياق الحديث وأن ظاهر ذلك أنه فعله مختارًا ذاكرًا.

? [مسألة: هل على المرأة كفارة كالرجل!.] :

[ق1] وهنا أيضا ظاهره وهو المذهب: أن المرأة عليها كفارة أخرى، وهذا هو مذهب جمهور العلماء، فقد ذهب جمهور العلماء على أن الرجل إذا جامع المرأة، وكانت المرأة مطاوعة، فإن عليها القضاء والكفارة. إذًا على الرجل كفارة، وعلى المرأة كفارة. قالوا: لأن الأحكام الشرعية تستوي فيها المرأة مع الرجل، فما ثبت حقا على الرجل، فهو كذلك على المرأة، ما لم يدل دليل، ولأن الكفارات لا يُتشارك فيها، فهذه المرأة صائمة صوما في نهار رمضان وحصل منها من ينافي الصيام من الجماع، فكان عليها الكفارة كما كان على الرجل.

[ق2] والقول الثاني في المسألة، وهو مذهب الشافعية، و رواية عن أحمد: أن المرأة لا كفارة عليها، فيجب عليهما كفارة واحدة، واستدلوا بالحديث المتقدم، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر على المرأة كفارة، قالوا: وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.

?والراجح: ما ذهب إليه أهل القول الأول لما تقدم.

وأما ما ذكره أهل القول الثاني، فالجواب:

أن الرجل إنما يسأل عن نفسه، وقد أخبره النبي - صلى الله عليه وسلم - بما يجب عليه من الكفارة، وفي ذلك تنبيه على وجوبها من باب القياس على المرأة، لأن المرأة مقيسة على الرجل، فإذا ذُكر هذا الحكم في حق الرجل، فإنه يُعلم ذلك في حق المرأة؛ ولأن المرأة لم تكن سائلة وقد تكون معذورة، كأن تكون قد طهرت من حيضها في أثناء النهار فجامعها، ونحو ذلك من الأعذار الممكنة، وعلى ذلك فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر الحكم في الرجل، وفي ذلك تنبيه على الحكم في حق المرأة من باب القياس الصحيح، فالمرأة مقيسة على الرجل فالنساء شقائق الرجال، كما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم -.

إذًا الراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء، من أن على كل منهما كفارة، فعلى المرأة كفارة، وعلى الرجل كفارة.

والمذهب أنها إن أكرهت فعليها القضاء واختار شيخ الإسلام وهو الراجح أنه لا قضاء مع الإكراه واختاره في الفائق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت