الصفحة 96 من 108

هذا الحديث رواه محمود بن آدم و هو ثقة عن سفيان بن عيينة مرفوعا يعني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) ، وقد تابعه هشام بن عمار، وفي حفظه بعض الضعف، وإن كان صدوقا، وكذلك تابعه محمد بن الفرج في الإسماعيلي، لكن في الإسناد إليه جهالة.

ورواه الإمام عبد الرزاق في مصنفه عن سفيان موقوفا إلى حذيفة، وليس من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -.

ورواه الإمام الحافظ الحجة سعيد بن منصور صاحب السنن بالشك في رفعه - يعني أنه مرفوع أو موقوف -، وبالشك في لفظه - (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة أو في مسجد جماعة) .

?وعلى ذلك فالراجح: أنه موقوف على حذيفة - رضي الله عنه -، ولذا قال ابن مسعود - رضي الله عنه:"لعلك نسيت وحفظوا أو أخطأت وأصابوا"، وهذا شك من ابن مسعود - رضي الله عنه -، وحيث كان عندنا شيء من الشك في مثل هذا، كما لو رجعنا إلى رواية سعيد بن منصور رحمه الله، فإنا نبقى على الأصل، والأصل عندنا صحة الاعتكاف في المساجد كلها.

وظاهر كلام ابن مسعود أن الذين خالفوا حذيفة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ورضي الله عنهم، ولذا قال:

"لعلك نسيت وحفظوا"، ويقرب فيما يظهر لي أن يكون هناك وهم من حذيفة - رضي الله عنه - بين الاعتكاف وبين شد الرحال إلى المساجد الثلاثة وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) ، ولذا فإن هذا الحديث لم يحفظ لنا كما حفظت لنا ما تشبهه من مسائل العلم، فهذا الحديث لم يرو في السنن الأربعة ولا في الصحيحين ولا في مسند الإمام أحمد ولا غيرها من الكتب التي هي أشهر في أحاديث الأحكام والتي لا تكاد تخرج عنها الأحاديث التي عليها مدار الأحكام، كل ذلك يوجب عندنا شكا فيما روي في ذلك.

? وعلى ذلك: فالراجح: هو صحة الاعتكاف مع مخالفة أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وهي التي روت لنا كثيرا من أحاديث الاعتكاف، فإن عائشة رضي الله عنها قد اعتنت في أحاديث الاعتكاف، فروت لنا الاعتكاف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غير ما حديث، وقد قالت رضي الله عنها:"لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة".

وعلى ذلك فالراجح: أن له أن يعتكف في أي مسجد من المساجد، وهذا هو ظاهر القرآن، فلا نترك ظاهر القرآن لمثل هذا الأثر وعندنا فيه ذاك الشك المتقدم، بل الذي يترجح أنه موقوف، فإن الله تعالى قال: {وأنتم عاكفون في المساجد} ، وظاهر الآية الكريمة عموم المساجد كلها، فإن الخطاب هنا لعموم المؤمنين.

وإذا قلنا: إن المساجد هنا هي المساجد الثلاثة، كان ذلك خطابا لطائفة من المؤمنين، ثم إن المقصود من الاعتكاف حاصل في كل مسجد، فلا معنى لتخصيص المساجد الثلاثة به، فإن المقصود منه أن يخلو ويتفرغ للعبادة، وهذا حاصل في كل مسجد، وهذا القول هو الذي عليه جماهير علماء الأمة، والله أعلم.

-قوله [إلا المرأة ففي كل مسجد سوى مسجد بيتها] [1] :

[ق1] [المذهب] قالوا: المرأة لها أن تعتكف في المسجد المهجور. إذًا الرجل ليس له أن يعتكف في المسجد المهجور، وأما المرأة فلها أن تعتكف في المسجد المهجور، هذا هو المذهب.

[ق2] والراجح: أنه ليس لها أن تعتكف:

(1) [المشيقح: هل المرأة كالرجل أو يصح أن تعتكف في مسجد بيتها؟

[ق1] الجمهور: أن المرأة كالرجل لابد أن تعتكف في المسجد، ولا يصح أن تعتكف في مسجد بيتها، لكن المرأة ليست من أهل الجماعة، فإذا كان هذا المسجد مهجورًا لا تصلى فيه الجماعة تركه الناس، فيصح أن تعتكف فيه خلاف الرجل الذي لابد أن يعتكف في مسجد تقام فيه الجماعة.

[ق2] الرأي الثاني: أبو حنيفة رحمه الله أن المرأة لها أن تعتكف في مسجد بيتها إذا كان في بيتها مصلى لها أن تعتكف فيه، وفيه نظر.

والصواب: ما ذهب إليه الجمهور، ويدل لذلك:

فعل زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم - في عهده وبعد عهده، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أذن في اعتكاف بعض زوجاته معه ضربن خبائهن في المسجد، ولو كان الاعتكاف جائز في البيت لاعتكفت في بيتها، وزوجاته - صلى الله عليه وسلم - اعتكفن بعده في المسجد. .].

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت