فهرس الكتاب
... إن مشقة الدعوة الحقيقية هى مشقة الصبر لحكم الله، حتى يأتى وعده في الموعد الذى يريده بحكمته، وفى الطريق مشقات كثيرة، مشقات التكذيب والتعذيب، ومشقات الالتواء والعناد، ومشقات انتفاش الباطل وانتفاخه، ومشقات افتتان الناس بالباطل المزهو فيما تراه العيون، ثم مشقات إمساك الناس على هذا كله00 كل ذلك تصبر عليه نفس الداعية راضية مستقرة مطمئنة إلى وعد الله الحق، ولا ترتاب ولا تتردد في قطع الطريق، مهما تكن مشقات الطريق .. وهو جهد ضخم مرهق يحتاج إلى عزم وصبر ومدد من الله وتوفيق0
... وهناك أنواع من الصبر تحتاج إلى جهد مضاعف عندما يواجه الدعاة نفوسًا طال عليها الأمد، واستمرأت حياة الذل تحت قهر الطاغوت، ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفًا كذلك، يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات، ويجب أن يصبر على الانتكاس الذى يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة0
... وفوق ذلك كله، على الداعية أن يصبر على الصبر الطويل، ولا يتعجل انقضاء الفتن، أو زوال المحن، فإنها مرهونة بقضاء من أوجدها (وليس في الوجود شىء أصعب من الصبر.. وخصوصًا إذا امتد الزمان، أو وقع في الفرج، وتلك المدة تحتاج إلى زاد يقطع به سفرها) (1) ، وما هذا الزاد إلا بالتوكيل على الله، وما تباينت منازل أصحاب الهمم، إلا بتياينهم بطول الصبر حتى نهاية البلاء، وانقضاء أوانه0
الصبر على الأقران
... إن للداعية صبرًا آخر يحتاجه في مسيرة الدعوة، وهو الصبر على ما يظهر من إخوانه من جفوة، أوانقطاع ود، فهم بشر جميعًا، والبشر لا يصفو من المعايب0
...(ولست بمستبق أخًا لا تلمه
... ... ... ... على شعث أى الرجال المهذب) (2) 0
... ويقول الفضيل بن عياض: (( من طلب أخًا بلا عيب، صار بلا أخ ) ) (3) 0
(1) صيد الخاطر: 149 0
(2) النابغة الذبيانى 0
(3) طبقات الصوفية للسلمى0