فهرس الكتاب
ومما ينبغي ملاحظته هو أن السرد الإيقاعي، يخضع لظاهرة عاطفية وجدانية، ونعني بها الغنائية. إذ ألفينا السرد المذكور ينهض على مبدأ الغنائية، الأمر الذي جعله يتميز عن السرد في المقامات الأدبية الأخرى. إذ"لا يمكن للإيقاع أن يتحقق وحده، حتى وإن كان الكلام أو الحوار نثرًا، إلا بانضمامه إلى شيء غنائي أو موسيقي يكشف عن التناسق والانسجام" [1] .
ولعل المتن القرآني في نواحيه البنائية الكثيرة يكون متوفرًا على مقومات الخطاب الإيقاعي، الشيء الذي جعله ينهج سردية تناغمية مطلقة.
غير أن خطيّ النشوة والانقباض- واللذين تقاطعا في نقطة النفي نجدهما يمثلان -ضمنيًا- الصراع القائم بين الحق والباطل.
فالواقع أن خط الحق يرفعه الرسول صلى الله عليه وسلم، وخط الباطل يمثله كفار مكة.
وربما الشيء الفني الملاحظ، هو أن السردية الإيقاعية التي ترافق مضمون الخطين، تجسد ظاهرة الميل التي ينشدها الخطان، لأن لكل منهما ميلًا عقائديًا.
غير أن هذا التشكيل الإيقاعي نجده ينهض على نظام الثنائية الضدية، وهي سمة حداثية لا غير.
وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى أن الفعل التأسيسي لظاهرة الثنائية الضدية انبثق عن التراث الأدبي العربي. بحيث نجد الوعي الصوفي العربي سباقًا إلى بعث هذه الثنائيات التي تعكس رؤية تأملية استبطانية. فلقد ألفينا ابن عربي في الفتوحات المكية يوضح هذه العلاقة من خلال تمييزه بين"المضمون الأول الذي هو النص من حيث دلالته الوضعية، والمضمون الثاني الذي هو النص من حيث دلالته الرمزية."
ويسمي وجه الرسالة الأول (العبارة) في حين يسمي وجه الرسالة الثاني (الإشارة) " [2] ."
(1) د. كمال عيد: فلسفة الأدب والفن- الدار العربية للكتاب- ليبيا تونس 1978 ص55.
(2) سعيد الغانمي: أقنعة النص- دار الشؤون الثقافية بغداد - 1991 ص 89.