فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 213

وعسى أن تكون ظاهرة الارتكاز على حرف الراء -في هذه القصة- مسألة جارية على كل السورة في وتيرة واحدة، الغرض منها المحافظة على الفاصلة القرآنية من وجهة، والتماشي مع إيقاعية النص من وجهة أخرى. آية ذلك أن"النخل"نجد السارد يؤنثه في سورة (الحاقة) بقوله { نَخْلٍ خَاوِيَةٍ } وذلك مراعاة للفاصلة القرآنية، لأنها تنهض على سيرة إيقاعية واحدة يمثلها حرف (التاء المربوطة) .

على حين نلفيه -هنا- قد ذكّر النخل بقوله { نَخْلٍ مُنْقَّعرٍ } ليتناسب مع إيقاع السورة الذي يقوم على حرف (الراء) .

وفي نهاية السورة نجد المقطع الأخير يقوم على إيقاعية الراء { إِنَّ المُتقينَ في جنَّاتٍ ونَهَرٍ، في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ } والغرض من ذلك تحقيق السجع الذي هو لون من الموسيقى اللغوية.

وفي هذا السياق جاء هذا القول"إفراد ما أصله أن يجمع كقوله تعالى { في جَنَّاتٍ وَنَهرِ } . قال الفراء: الأصل أنهار وإنما وحِّد لأنه رأس آية" [1] . لأن حرف الراء ظهر إفراديًا من بداية السورة، الشيء الذي جعل منظومة النص القصصي تخترق قاعدة صرفية، بغية تحقيق الانسجام الإيقاعي الذي عليه كل السورة، فبدل جمع كلمة (أنهار) أفردتها. لأن الاحتفائية القرآنية تكون للجمالية التي يعرضها النص، ولا تحفل بالجانب الصرفي أو النحوي على حساب الجانب الفني. من هنا اغتدى الإيقاع -في السرد القرآني- أكبر من الصرف.

فإذن. التكرار تم في تسعة مقاطع في قصتنا القصيرة، ومع ذلك حافظ على إيقاع السورة العام. ولعل ذلك راجع إلى إعجازية النظم القرآني بحيث فيه"تختلف الألفاظ ولا تراها إلا متفقة، وتفترق ولا تراها إلا مجتمعة، وتذهب في طبقات البيان وتنتقل في منازل البلاغة وأنت لا تعرف منها، إلا روحًا تداخلك بالطرب وتشرِّب قلبك الروعة" [2] .

(1) الزركشي: البرهان في علوم القرآن ج 1 ص 67.

(2) الرافعي: إعجاز القرآن والبلاغة النبوية ص 241.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت